اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


يُعتبر القمع من أقدم الظواهر الإنسانية والاجتماعية التي رافقت وجود الإنسان ضمن الجماعة، فهو ظاهرة إنسانيّة متجذّرة تتسلّل إلى تفاصيل حياتنا اليوميّة. فمنذ الطفولة يتعلّم الإنسان أن يضبط سلوكه ومشاعره وفقًا لقواعد الأسرة والمجتمع، وٳنّ آليّات الضبط هذه تحاول أن تضع سلوكه ضمن حدود مقبولة، سواء عبر التربية، الدين، الأعراف أو القوانين. فينشأ الإنسان معتادًا على كتمان ما يشعر به خوفًا من العقاب أو الرفض. فالطفل الذي يعيش داخل أسرة معيّنة لا يستطيع التعبير عن مشاعره بكامل حريّته، وذلك لأنّ بعض هذه المشاعر والأفكار قد تتناقض مع عادات أو أعراف المجتمع وبالتالي قواعد أسرته. فيعتاد على حبس هذه المشاعر كوسيلة للبقاء داخل الجماعة، فعند كتمان ما يشعر في داخله يتفادى الرفض الاجتماعي من قبل أسرته والمجتمع ويصبح فردًا ملتزمًا بالأعراف والقوانين.

فإنّ هذا القمع يمتدّ امتدادًا واضحًا إلى التربية، وإلى العلاقات الاجتماعية، وحتى إلى الطريقة التي نعبّر بها عن أنفسنا. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن هذا القمع يتغلغل في أدق تفاصيل الحياة اليومية: في البيت من خلال التربية، في المدرسة عبر الانضباط المفروض، وفي العلاقات الاجتماعية عبر ما يُسمح قوله و ما يجب كتمانه. حتى المشاعر البسيطة مثل الغضب أو الحب أو الرغبة، كثيرًا ما تَرضخ لآليّات ضبط وٳخفاء. فمن الخارج، ورغم أنّ القمع قد يبدو أحيانًا وسيلة ضرورية لحماية النظام الاجتماعي وضبط الفوضى، إلّا أنّه في العمق يترك أثرًا نفسيًا عميقًا في الفرد.

من هنا يبرز فيلهلم رايش كمفكّر وطبيب نفسي نمساوي قدّم قراءة جريئة ومختلفة للقمع، طارحًا الفكرة الأساسية والرئيسة والتي تقول أنّ الكبت الخفي للمشاعر ليس مجرّد عملية نفسية فردية، بل هو الأساس والجذر العميق لتشكّل القابلية للاستبداد والخضوع للسلطة.

وفي الحديث عن القمع، ٳنّ الإنسان في نظر رايش يولد بطاقة حيويّة طبيعية، وهي التي تشمل العاطفة، الإبداع، والجسد. وٳنّ هذه الطاقة ليست مجرّد دوافع عابرة، إنّما هي الأساس والنّواة التي تمنح الفرد القدرة على التوازن النفسي وعلى عيش حياة صحيّة ومنتجة. فإذا تُرِكت هذه الطاقة لتتدفّق بحرية، تصبح مصدرًا للإبداع والحب والارتباط الحقيقي بالآخرين. لكنّ المجتمع، وبنظر رايش، يقمع هذه الطاقة من خلال التربية الصارمة، والقوانين غير المرنة، والأعراف الاجتماعية.

 فيعتاد الطفل منذ صغره كبت مشاعره كي يتوافق مع "النظام الاجتماعي". فبالنسبة لرايش، ٳنّ هذا القمع ليس مجرّد وسيلة للتهذيب، بل هو اعتداء مباشر على جوهر الإنسان. فالطاقة التي تُمنَع من التدفّق تتحوّل إلى مصدر توتّر داخلي لدى الفرد. وهكذا ينشأ التّوتّر الدائم لدى الإنسان ويظهر من خلال الخضوع الأعمى للسلطة ويصبح الإنسان المُقمَع أكثر قابليّة للسيطرة وأقل قدرة على المقاومة أو الإبداع.

ولقد ذهب رايش أبعد من ذلك مسلّطًا الضوء على المجتمع السياسي، فبنظره ٳنّ الفرد الذي اعتاد كتمان مشاعره منذ الطفولة يصبح عاجزًا عن التعبير الحر عندما يكبر. وٳنّ تجمّع عدّة أفراد يحملون هذه المشكلة في مجتمع واحد يشكّل جماعة منضبطة ظاهريًّا لكنّها في الحقيقة جماعة مقموعة داخليًّا. فإنّ القمع النفسي شرط أساسي لقيام أنظمة سلطويّة، حيث يعتبر رايش أنّ الدولة الاستبدادية لا تحتاج إلى جيش وشرطة فحسب، بل إلى أفراد يحملون في أنفسهم "الدرع الشخصي" الذي يمنعهم من التفكير الحر أو الاحتجاج. ومن هنا تصبح الطاعة عادة لدى الفرد وليست مجرّد خوف من العقاب.

فإنّ هذه الأنظمة تستمدّ قوّتها من الأجساد والعقول الضعيفة التي أُعيد تشكيلها عبر التربية الأسرية الصارمة والدين وغيرها من وسائل وأدواة الضبط. فإنّ كل مؤسّسة تكرّس الكبت تساهم في إنتاج مواطن منسجم مع الاستبداد. لذا، يعتبر رايش أنّ المجتمعات التي تعيش في حالة جمود سياسي هي نتاج ثقافة الكبت التي تبدأ في المنزل وتمتدّ إلى المجتمع.

من خلال قراءة فكر فيلهلم رايش، يتّضح لنا أنّ القمع لا يتوقّف عند حدود الفرد، بل يتغلغل ليصوغ البنية الاجتماعية والسياسية. فالفرد المكبوت هو فرد خائف، والفرد الخائف يصبح مواطنًا سهل الطاعة. وهكذا يصبح القمع أداة لإنتاج مواطنين مهيّئين للخضوع للسلطة. فرايش يذكّرنا أنّ بناء مجتمع صحّي يبدأ من الداخل: من التربية العاطفية، من الاعتراف بالمشاعر، ومن إفساح المجال للتعبير عن الذات. وأخيرًا، ٳنّ المجتمعات التي تتحرّر من الكبت هي المجتمعات الأكثر وعيًا والقادرة على مساءلة السلطة والعيش والتفكير بحرّيّة.