عندما يصبح الشهداء أعدادا تصبح الامة تراكما دون أوزان، وعندما تصبح الأرض ترابا داشرا يصبح الوطن خيمة من ورق، وعندما تصبح فلسطين قضية إنسانية على طاولات البحث في مجالس المنظمات الإنسانية ومكاتب الدول الكبيرة، نصبح كمن يستجدي من البرد حرارة الدفء ومن السماء الملبدة بالغيوم خيوط الشمس.
عندما نضع في الشوارع والباحات والمقاهي والمنازل عدّاد الشهداء، وننظر الى اسفل الشاشة لنستهجن عدد الشهداء، نكون هياكل عظمية لا ضرورة لا وجودها ولا تستحق البقاء على قيد الحياة.
أف من هذا الزمن القهّار، خبر موت قطة بظروف غامضة في أي عاصمة من عواصم العهر والنفاق يفوق اخبار المجازر اليومية التي يرتكبها كيان العدو في بلادنا.
عندما يصبح الموت في فلسطين خبرا يوميا كخبر الأبراج وأحوال الطقس، وأخبار الفنانين والسياسيين نصبح كالسعادين في سيرْك يتجول في مناطق العالم.
عندما تصبح فلسطين والأمة بجميع كياناتها ندوة، محاضرة، اجتماعا، لقاء بين الأقطاب في عواصم الامة والعالم العربي، ومؤتمرات في عواصم العالم، نصبح منشر غسيل لكل طامع، ومقصدا لكل حالم بأرض اللبن والعسل.
عندما نستجدي الأمن والسلام وانهاء الاحتلال عن البلاد من أروقة الأمم المتحدة وضمائر من نزلوا الى الشوارع في مدن العالم الكبيرة، نكون كمن يفتش عن شواطئ البحر السوري في جبال هملايا البعيدة وكمن ينشد هطل المطر من السماء الزرقاء.
عندما يصبح لبنان حقل رماية لجميع أنواع الأسلحة، ويصبح خبر الشهادة وخبر تفجير المنازل وخبر طائرات كيان العدو في الأجواء اللبنانية، عندما لا تهز هذه الاخبار ضمير الدولة وضمير الناس، نكون كوما مكدسة من الهياكل العظمية، تنتظر ناقلة النفايات لتنقلها الى المزابل او الى المكبات التي ستصبح بحجم جبال البلاد.
أعجب من أولئك الذين يتابعون نشرات الاخبار ويتابعون حياتهم كـأن البلاد بخير، وكأنهم في أحسن حال، أحسدهم على خلوهم من الوجدان القومي وعلى خصومتهم مع الضمير.
تحاول منذ ذاك الصباح الذي قرأت خبر الطبيب الذي استُدعي لمعالجة الطفل الاجعد الشعر فاكتشف ان الطفل ولده وان من يبكي هي زوجته وان الطفل المستشهد هو ابنه ويذرف دمعة واحدة ويحمل جسده وما بقي من روحه ويتوجه لمعالجة من بقي على قيد العيش، ومعه عشرات اللوحات التي تتمنى لو انك مت قبل ان تراها، تحاول أن تكون موزونا في المشاعر والاحاسيس ولكن من اين ستجد التوازن وانت تشعر كأنك هناك معهم.
أحاول ان اجد مخرجا فيه رقائق من الشرف لأولئك الذين يُرتّلون آيات حسن الجوار مع كيان العدو، فلم اجد لهم سوى قصة الثور الأبيض وقصة الثعلب والغراب.
عندما نرى الدمار يتمدد ونرى المجزرة تغزونا في عقر دارنا ولا نتحسس رقابنا، نكون كالعصافير التي فاتها ان البرد ات والثلج ات وان الغصن سيصبح عاريا.
عندما لا تقرأ تغريدة الخطر ولا تسمع صفارة الإنذار، وتبقى تلهث خلف من يُنجّر لك خازوق الموت تكون تنتحر وتهدد وجودنا بالموت.
أمل ان أكون الوحيد الذي يقاطع الشاشات ويقاطع نشرات الاخبار، خاصة عندما تصل اخبار النشرة الى عرض الصور في فلسطين ولبنان والشام، أقاطعها ليس لأني ضعيف القلب بل لأني خدعت وانخدعت ولا اريد ان انخدع أو أخدع من جديد.
خدعني من لا يستحق الثقة فخدعت من يستحق الثقة.
نحاول لملمة أرواحنا المبعثرة في كل امكنة الامة على امل ان يولد جسدا جديدا بحجم الوطن والأمة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
14:05
وزير الخارجية الإسرائيلي: حزب الله يشكل خطرا على استقلال لبنان وأمن "إسرائيل"
-
14:05
نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية الإيراني: لم يُعقد أي اجتماع مع غروسي في سويسرا رغم طلبه
-
14:05
كاظم غريب أبادي: لا توجد خطة للوصول إلى المنشآت والمواد النووية التي تعرضت للهجوم
-
14:05
أبادي: ستُناقش هذه القضايا وتحل حصراً في إطار الاتفاق النهائي ونتيجة لإجراءات عملية يتخذها الطرف الآخر لإنهاء جميع العقوبات
-
14:05
أبادي: لا يمكن الترويج لسياسة "التحرك وترك الأمور على حالها" عبر ضجة إعلامية
-
14:03
وزير الخارجية الإسرائيلي: المفاوضات الجارية في واشنطن مع لبنان تاريخية ومهمة للغاية
