اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


هكذا يفكرون الآن في قصر اليمامية: لم يعد شعار "تغيير الشرق الأوسط"، وبأبعاد توراتية، أداة من أدوات البروباغندا الشعبوية، أو نوع من الفانتازيا في كرنفال سياسي، وانما حقيقة يومية على الأرض، بالسعي لاقامة "اسرائيل الكبرى" على أنقاض بلدان عربية. ولنتصور أي مصير للخليج، ولأهل الخليج، ولثروات الخليج، اذا ما قامت هذه الدولة، وبتلك الحمولة الايديولوجية العمياء "على أبواب منازلنا" !

كما لو أن عاصفة هبت على القصر، وتفضي الى احداث تغيير في الرؤى، وفي المفاهيم.  وفي العلاقات، بعدما تبين للجهات الاستخباراتية، والديبلوماسية، في المملكة أن ادارة دونالد ترامب كانت على علم مسبق بالغارة الاسرائيلية على الدوحة، مع التساؤل ما ذا كان جنود قاعدة "العديد" الأميركية يغطون في نوم عميق، أم كانت رادارات القاعدة معطلة، عندما كانت الصواريخ الاسرائيلية تمر من فوقها لتصل الى قلب العاصمة القطرية، بعد ظهر ذلك "الثلاثاء الأسود". وهذا ما ينطبق على سائر القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في أرجاء المنطقة ..

هذا ما ينقله الينا زملاء سعوديون على مقربة من البلاط، "حتى لتحسب أن بعض المسؤولين باتوا يفكرون بطريقة تتماهى مع طريقة تفكير جهات لطالما عرفت بمواقفها السلبية من أميركا واسرائيل، وبتوجسها من "الجنون الاسرائيلي"، وحيث أركان الائتلاف يعتقدون أن دول، وشعوب، المنطقة في غيبوبة أبدبة، ما يتيح لهم ليس فقط اقامة "اسرائيل الكبرى"، وانما اقامة "اسرائيل العظمى" بادارتها لكل المشرق العربي" .

ربما الجاذب اللاهوتي يدفعهم الى ما هو أبعد، ووفقاً لما تقتضيه "الضرورة التوراتية" بظهور "أمبراطورية يهوه" التي تفرش الطريق بالورود (أم بالجماجم ؟) أمام الماشيح الذي لا نعلم ما اذا سيخرج من بطن امرأة، أم يهبط بمركبة فضائية، يفترض أن تكون أميركية، اذا ماأخذنا بالغطرسة التي يبديها مفكرو "المحافظين الجدد" الذين يعتبرون أن حدود "أميركا العظمى" تتعدى حدود هذا العالم الى العالم الآخر.

ما هز قصر اليمامة أيضاً قول السفير الأميركي في أورشليم (لا في تل أبيب) مايكل هاكابي ان اسرائيل هي "الشريك الحقيقي الوحيد للولايات المتحدة". في هذه الحال. ما معنى الاتفاقيات الاستراتيجية المعقودة بين أميركا وبلدان الخليج. حتى أنهم في أوروبا تلقوا هذا الكلام بذهول، وهم الذين يعلمون أين يوجد هاكابي في رأس دونالد ترامب، أو داخل اللوبي اليهودي. هنا نحن أمام سفير فوق العادة. انه الحاخام الأميركي الذي عيّن سفيراً في اسرائيل لكي يشق الطريق التوراتي الى "اسرائيل الكبرى".

أليس طريفاً أن نرى على مواقع التواصل هذه العبارة "يبدو أن يهوه موجود في رأس دونالد ترامب أكثر مما هو موجود في رأس بنيامين نتنياهو". وبعد كل ذلك الذي يحدث على الأرض، وحيث المنطقة تبدو وكأنها تدور على قرن ثور، كما تتدفق الأسلحة الأميركية الأكثر فتكاً على المطارات، والموانئ، الاسرائيلية، كيف لنا أن نصدق ما تكتبه "وول ستريت جورنال" من أن الرئيس الأميركي يعيش حالة من "الغضب المكبوت" تجاه رئيس الوزراء الاسرائيلي. ولكن لاحظوا ما تضيفه الصحيفة "بالرغم من ذلك يترك له حرية التصرف".

الجانب الكوميدي الأكثر اثارة أن ترامب، وبحسب الصحيفة، يقول أمام مساعديه "انه يخدعني"، "اشتكى مرارا (ترامب الجبار يشتكي ؟ً) من أن زعيم الليكود يقوّض مساره المفضل لانهاء الحرب الدائرة منذ نحو عامين في قطاع غزة". هل تسنى لكم قراءة مسرحية النرويجي هنريتش ابسن "كوميديا الأغبياء" والتي لم تنشر أثناء حياته.

ترامب الذي يضرب في كل أرجاء العالم، والذي أعاد الطائرات الاسرائيلية على أعقابها، وهي في طريقها الى طهران، يشتكي من تقويض مشروعه لوقف الطوفان الدموي في غزة. لا أحد دعاه من العرب، وغير العرب. الى وقف ارسال الاسلحة الى نتنياهو، ولو ليوم واحد، كما لو أن الحروب الاسرائيلية كلها لا تجري وفق الأجندة الأميركية لصناعة الشرق الأوسط الجديد.

لا زيارة علي لاريجاني للرياض، ولقائه الأمير محمد بن سلمان، كانت عادية، ولا كلمة الشيخ نعيم قاسم كانت عادية. الزيارة، والكلمة، جاءتا في سياق محدد فرضته الضربة الاسرائيلية للخليج، وليس فقط لقطر، وتحت العيون الأميركية، اذا لم نقل بأوامر أميركية لقتل من تبقى من قادة حركة "حماس" وتمهيد الطريق أمام مشروع ترامب تحويل القطاع الى مدينة سياحية تستضيف أغنياء وغانيات العالم.

بطبيعة الحال، حكام الدول الخليجية باتوا على قناعة بأن شعار التغيير الذي رفعه بنيامين نتنياهو، وتبناه دونالد ترامب، لا يستثني أي دولة من دول المنطقة. من زمان تحدث زئيف جابوتنسكي عن حماقة مارك سايكس وجورج بيكو. الآن توماس براك مع وصف اسرائيل الدول التي أنشأتها الاتفاقية بأنها ولدت على الورق وبقيت على الورق.

في هذه الحال، لماذا لا يكون تغيير العلاقات لاتغيير الخرائط في الشرق الأوسط، ودائماً وفق الرؤية (والرؤيا) التوراتية ؟

الأكثر قراءة

خشية من حرب أميركيّة - إيرانيّة تشعل المنطقة لبنان يضغط لتطبيق «المناطق التجريبيّة» هذا الأسبوع