في مؤتمر صحفي أثار بنيامين نتنياهو جدلاً بجملة بدت غريبة وبسيطة في آن: "هل تملكون هواتف خلوية؟... إذاً أنتم تملكون قطعة من "إسرائيل"". لم تكن تلك العبارة مجرد لفتة كلامية؛ إذ سرعان ما تتابعت التقارير والشكاوى التي ربطت بين كلامه وبين واقع تقني يلامس خصوصية مستخدمي الهواتف في منطقتنا..
منذ ذلك اليوم، بدأ كثيرون يبحثون عن معنى العبارة وخلفياتها. ما لفت الانتباه هو وجود تطبيق يُثبت على بعض هواتف سامسونغ ولا يمكن حذفه بسهولة - وهو ما يفسر عبارة نتنياهو عن "قطعة من إسرائيل" في يد كل مستخدم. اسم هذا التطبيق هو APPCLOUD.
APPCLOUD يظهر على أنه أداة لاقتراح الألعاب والتطبيقات، لكنه في الواقع تطبيق مُثبت مسبقًا ويُصنَّف كـ bloatware (برمجية زائدة) يصعُب التخلص منها نهائيًا. هو جزء من منصة تُدعى AURA، وهي منصة طورتها شركة IRONSOURCE الإسرائيلية التي كان يقودها مؤسسها تومر بار زئيف قبل أن تستحوذ عليها شركة UNITY الأميركية. وعلى الرغم من الاستحواذ، بقيت إدارة جزء من العمل في تل أبيب، وهو ما يعزز الارتباط التقني بالإطار الإسرائيلي حتى لو تغيرت الملكية الاسمية.
كيف نتحقق من وجود التطبيق على أجهزتنا؟
يمكن للمستخدم الدخول إلى الإعدادات ثم التطبيقات، واستخدام خانة البحث لكتابة APPCLOUD (بدون فراغ بين APP وCLOUD)؛ عند ظهور التطبيق فهذا دليل على تثبيته في الجهاز. كما رصد مستخدمون شكاوى في منتدى سامسونغ الرسمي وموقع Reddit حيث تفاجأوا بوجوده بعد التحديث وبصعوبة حذفه. يحدث تثبيته إمّا كجزء من الهاتف عند شرائه (مسبقًا) أو بعد تنفيذ تحديث لنظام الهاتف.
ما هي الأسواق والأجهزة المستهدفة؟
يظهر APPCLOUD حصريًا في أجهزة سامسونغ الموجهة لأسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتم تسجيل وجوده في متاجر في الأردن، مصر، المغرب، سوريا، لبنان، العراق وتركيا، على أجهزة جديدة ومستعملة على حد سواء. يتركز تواجده في طرازات GALAXY M وGALAXY A - الفئتان الأكثر مبيعًا عالميًا، بمعدل شحن يُقَدر بنحو 89 مليون شحنة سنويًا. بالمقابل، لا يظهر التطبيق في النسخ الموجهة لأوروبا أو أميركا. ومن الغريب والمقلق أن بعض المؤسسات الحكومية في المغرب توزّع هواتف بهذه المواصفات على موظفيها مع التطبيق مثبتًا مسبقًا، ما يثير مخاوف بشأن وصوله إلى معلومات حكومية حساسة.
ما هي مخاطر الخصوصية؟
الموضوع أثار جدلاً واسعًا لأن التطبيق يُثبت دون موافقة واضحة من المستخدم، ويعمل كبرنامج مُدمج يصعُب تعطيله كليًا، وله صلاحيات وقدرة على جمع بيانات سلوكية وشخصية واسعة النطاق. هذا الوضع يكتسب خطورة أكبر عندما يقع في منطقة تعاني من حروب وصراعات مع الاحتلال، إذ يفتح الباب أمام استغلال البيانات لأغراض استخباراتية أو استهداف أشخاص في دول مثل لبنان وغيرها. باختصار، وجوده على هواتف المستخدمين يتحول - حسب التحليلات - إلى ما يشبه "بنك معلومات" يمكن تحويله لاحقًا إلى "بنك أهداف".
هل يمكن إزالته؟ وما البدائل؟
لا يمكن حذف APPCLOUD رسميًا عبر طرق الحذف الاعتيادية، لكن يُمكن تعطيله جزئيًا عبر إعدادات الهاتف للحد من نشاطه. توجد طرق يدوية أعقد لحذفه كليًا لكنها غير مدعومة رسميًا وقد تعيد الشركة تثبيته تلقائيًا بعد تحديثات النظام أو تحديثات الأمان.
ما علاقة سامسونغ بـ IRONSOURCE ومنصةAURA؟
تعود القصة إلى عام 2022، عندما وقعت سامسونغ اتفاق شراكة مع IRONSOURCE لدمج منصة AURA في أجهزتها. تطبيق APPCLOUD هو أحد مكوناتAURA، وقد طُوّر داخل IRONSOURCE قبل استحواذ UNITY الأميركية عليها، بينما بقيت بعض العمليات في تل أبيب تحت إدارة المؤسس تومر بار زئيف. موقع الشركة يعرض وظائف في تل أبيب، ما يعزز الارتباط البنيوي بالتكنولوجيا الإسرائيلية رغم الملكية الأميركية. ومن الناحية العملية،AURA تدّعي أنها تساعد في إبراز التطبيقات المفضلة للمستخدم، لكنها في الحقيقة مدمجة عميقًا في النظام وتملك قدرة وصول شاملة لبيانات المستخدم - وهو ما أقرّت سامسونغ بوجوده عند حديثها عن تطبيقات الطرف الثالث.
وتُشير المعلومات إلى أن منصة AURA مدمجة حالياً في أكثر من 2 مليار جهاز حول العالم، مع طموح للوصول إلى 4 مليارات جهاز، ما يزيد المخاوف من توسع نطاق جمع البيانات على مستوى كوني. كما أن الوصول إلى إعدادات منصة AURA أو تعطيلها ليس بالأمر السهل للمستخدم العادي، لأنها متجذرة داخل النظام.
مع العلم أن تثبيت APPCLOUD دون موافقة المستخدم يمثل - بحسب ما يقال - خرقًا لقوانين حماية البيانات مثل اللوائح الأوروبية (GDPR) التي تشترط موافقة صريحة وسهلة الإلغاء. واعترفت IRONSOURCE بجمع بيانات حساسة تشمل عناوين IP، معرفات الإعلانات، معرفات التطبيقات، وحتى الموقع الجغرافي. وتستغل الشركة هذه البيانات في تحليلها واستهداف الإعلانات، مع احتمال استغلالها أيضًا لأغراض استخباراتية أو عسكرية إذا أُسئت الاستفادة منها.
رد سامسونغ وتقارير سابقة!
نشر تقرير عن الموضوع في فترة سابقة، وقد جاء رد سامسونغ الذي أقر ضمنيًا بوجود المشكلة، مشيرةً إلى أن انتشار APPCLOUD يقع غالبًا في هواتف الفئة المتوسطة والمنخفضة، لكنه قد يظهر أحيانًا في الفئات الأعلى. كما أوضحت أن التطبيق يثبت تلقائيًا وقد يعود للظهور حتى لو أُزيل بعد تحديثات النظام أو الأمان، وأن الشركة نشطة في أكثر من 30 سوقًا وتم توسيع تواجدها إلى أكثر من 50 سوقًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
والقضية لا تأتي من فراغ؛ فإسرائيل متهمة منذ زمن بالتجسس الرقمي، وهذه ليست المرة الأولى التي تُوجّه فيها اتهامات لاستخدام برمجيات أو شركات للتنصت على سياسيين، صحفيين وناشطين. من الأمثلة الشهيرة برمجيات مثل بيغاسوس التي طورتها شركة NSO Group، واتهامات ضد شركات أخرى مثل Candiru التي تطور برمجيات خفية لاختراق أنظمة تشغيل متعددة. كثير من هذه الشركات أسسها أو عمل فيها ضباط سابقون من وحدة 8200 الإسرائيلية - الذراع الاستخبارية المتخصصة في التنصت الإلكتروني - ما يضفي أبعادًا أمنية وسياسية على المسألة.
ففي ضوء كل ما سبق، ينبغي أن ننتبه إلى الأجهزة التي نحملها وما تحتويه من برمجيات مثبتة مسبقًا. فوجود APPCLOUD ومنصات مماثلة على الهواتف الأكثر انتشارًا في منطقتنا يعيد طرح أسئلة عن الخصوصية، الأمن القومي، والتبعات المحتملة لمشاركات البيانات مع جهات قد تُستغل فيها لأغراض سياسية أو استخباراتية.
قصة APPCLOUD تذكّرنا أن التكنولوجيا ليست مجرد أدوات تسهّل حياتنا، بل قد تحمل أيضًا ملفات ونقاط ضعف تؤثر على أمننا وخصوصيتنا. سواء اتفقنا أم اختلفنا مع خطابات سياسيين مثل نتنياهو، فالواقع التقني الذي ربطه بتعليقه يستدعي منا اليقظة وفحص الأجهزة والإعدادات، والمطالبة بشفافية الشركات والامتثال لقوانين حماية البيانات. من حق كل مستخدم أن يعرف ما الذي يوجد في هاتفه، ومن واجب الشركات والحكومات أن تضمن أنه لا توجد "قطع" مجهولة المصدر تسبق خصوصيته أو تعرض بلاده للخطر.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
13:44
حزب الله: ما أقدم عليه العدو الإسرائيلي في النبطية الفوقا انتهاك فاضح لوقف إطلاق النار الذي التزمنا به
-
13:41
وصول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى العاصمة الباكستانية
-
13:40
حزب الله: جيش العدوّ الإسرائيلي أطلق النار على مدنيين في حي الدير بالنبطية أثناء فتح الطرقات وانتشال جثامين من تحت الأنقاض
-
13:40
حزب الله: نحذر من أن ما أقدم عليه العدو يُعدّ انتهاكاً فاضحاً لوقف إطلاق النار الذي التزمت المقاومة به حتى الآن
-
13:38
وصول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الى باكستان
-
13:22
نائب وزير الخارجية الروسي: خطر حدوث صدام عسكري بين روسيا وحلف "الناتو" آخذ في الازدياد
