لم نكن نعتقد أننا على هذا المستوى من ثقافة التفاهة، ومن التعفن التاريخي (وفي التاريخ). تصوروا أننا، في لبنان، كبلد للرحابنة، ولجبران خليل جبران، وأمين معلوف، بل كبلد للتميز وللابداع، ما زلنا نتحدث عن الحساسية السنية ـ الشيعية، واحتمال الصدام الدموي بينهما، من أجل صورة افتراضية لرجلين قتلتهما "الشقيقة" اسرائيل، باعتبارهما شخصيتين خطيرتين على أمنها، وحتى على وجودها. أحدهما السيد حسن نصرالله الذي أطلقت الدولة العبرية 75 طناً من المتفجرات لاغتياله، وقد تمكن، عام 2000، بدم رجاله، دون أن ننسى دم ابنه، من دحرها، واجتثاث الأقدام الهمجية من أرضنا.
حتى أن بعض نواب التغيير الذين يفتترض أن ينتقلوا بنا من حال الى حال، غرقت رؤوسهم، ووجوههم، بالوحول التي تلطخ وجوه العديد من ساستنا. من قال أن لنا رؤوساً، وأن لنا وجوهاً؟ هل لاحظتم أن اليهود، الوافدين من أصقاع الدنيا، ومن أصقاع الأزمنة، مفككون الى طوائف، ويذبحون بعضهم البعض كطوائف.
قبل الاصلاح المالي، والتسول على أبواب الصناديق، وعلى أبواب القصور، وقبل الاصلاح الاداري، وجمهوريتنا باقية الى الأبد مغارة علي بابا، وقبل الاصلاح السياسي الذي كان يفترض تطبيق المادة 95 من الدستور، وحيث الخروج من الطائفية السياسية، لا البقاء رهائن في قبور الآباء، وهي قبورنا، نحن بحاجة الى الاصلاح البنيوي، والفلسفي، في أدمغتنا، وفي رؤيتنا، حين يكون الآخرون على وشك الانتقال الى ما بعد التكنولوجيا، والى ما بعد الزمن، لنبقى، هكذا، في نظرتنا الدموية الى بعضنا البعض. سؤالنا... متى نخلع جلد القردة؟!
هنا، أيها السادة، السنّة والشيعة، وقد تحوّل الاسلام، على أيديهم لا على أيدي عرابي العصور الحديثة، ولأغراض جيوسياسية، أو جيوقبلية، الى دينين، ليتواصل ذلك الصراع، ولكن من أجل ماذا؟ أمن أجل الله الذي جعلنا منه الهين. أجل، أجل، الهين على الأقل. كفانا نفاقاً، وكفانا خداعاً، على منابر المساجد، أو على أية منابر أخرى، وبعدما حولنا الله من دين كوني الى دين قبلي، وكان آباؤنا، في جنوب شبه الجزيرة العربية، قد دعوا العبرانيين الذين كان الههم يرشق، من كهفه، السابلة بالحجارة، لتحويله من اله قبلي الى اله كوني...
نحن الآن في لبنان تحديداً، وفي المنطقة العربية تحديداً، أمام اختبار تاريخي، بين البقاء واللابقاء، لسنا فقط في مواجهة "اسرائيل الكبرى"، من النيل الى الفرات. في مواجهة "اسرائيل العظمى" التي تمتد من أول بيت على شاطئ المتوسط الى آخر بيت على شاطئ البحر الأحمر. أمة اسدلت الستار على الجانب المشع من تاريخها لتدخل في الجانب المظلم منه. أمة القاع...
أين هو النظام العربي الذي لا يجثو أمام الاله الأميركي، جثو القهرمانة؟ وأين هو النظام العربي الذي ينظر الى الرعايا على أنهم مخلوقات بشرية، لا مخلوقات تدب على الأرض؟ وقد قال لنا باراك أوباميا، وفي عقر دارنا، ان المشكلة فينا. أجل أجل، العناكب تستوطن عظامنا منذ ألف عام.
أنحتاج بعد الى تلك اللغة البلهاء لنسأل هل فرقت اسرائيل، يوماً، بين سنّي في فلسطين، أو في مصر، أو في سوريا، وحتى في تونس، وبين شيعي في لبنان، وفي ايران؟ لا نتصور أنه كان باستطاعة الولايات المتحدة أن تفعل بنا ماتفعله، باستنزاف أجيالنا، واستنزاف، ثرواتنا (واستنزاف دمائنا) لو كنا نقف على أقدامنا، لا على رؤوسنا، لكي تحتضن الدولة العبرية، وتستخدمها بتلك الطريقة لابقائنا تحت خط الزمن، بل تحت خط الحياة. ولطالما نبهنا صادق جلال العظم الى بناء دولنا والى بناء مجتمعاتنا حتى بالمفهوم الكلاسيكي للدولة وللمجتمع، لا مضارب للقبائل، ولا صوامع للطوائف.
لكننا نصر على نبقى نزلاء الأقبية، غالباً أقبية الجحيم. تصوروا أن أحمد الشرع الذي أتي به، وكا قيل، لبناء سوريا كدولة تتفاعل وديناميات القرن، والذي يدغدغه الأميركيون، ويعبث الاسرائيليون بلحيته، كاسلامي أصيل، وهو بفاوض بنيامين نتنياهو بلغة الدجاجة لا بلغة الصقر. كل ما يبتغيه، وهو بطل التحرير، العودة الى اتفاق فض الاشتباك (أيار 1974)، أي ابقاء مرتفعات الجولان أرضاً اسرائيلية، وبعدما صرح زعيم الليكود، وأمام الملأ، ان الاتفاق سيكون لمصلحة اسرائيل، أي الاحتفاظ بالجزء السوري من جبل الشيخ الذي كان، دوماً، رمزاً لكبريائنا، ودون أي وجود للجيش السوري في الجنوب الغربي في البلاد، مع ابقاء السويداء خارج سلطة الدولة لتكون، وبعد المجازر البربرية التي لحقت بأهلها، القنبلة الموقوتة، لتفكيك سوريا أو لتفجيرها.
أما نقول أهلاً بنتنياهو في ديارنا، حين عشنا، ونعيش، ذلك الاختبار المرير لـ"الحساسية" السنية ـ الشيعية، والتي تثبت سقوطنا كدولة، وكشعب، لحساب اسرائيل، اسرائيل العظمى التي تلاحق اليوم، بالخناجر، من قهرها ذات يوم، ليسأل آرييل شارون آنذاك ما اذا "كنا في طريقنا الى النهاية"؟
ولكن أليس ذلك بمثابة حلقة من ذلك السيناريو الذي أدى بالأمة ودولها المبعثرة، من الخليج الى المحيط، ومن يعرب بن قحطان الى محمود عباس، الى السقوط، لنقول "ايتها السيدة الجميلة مورغان أورتاغوس اغرزي أظافرراحيل في عيوننا لكي نستيقظ". ولن نستيقظ..
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
17:07
الحرس الثوري الإيراني: أجبرنا الولايات المتحدة على خفض أهدافها الوهمية بداية الحرب لمجرد إعادة فتح مضيق هرمز
-
16:56
رويترز عن بيانات الشحن: عدد ناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز انخفض أمس إلى أدنى مستوى له منذ شهرين
-
16:45
وول ستريت جورنال عن مسؤول: الضربات الأميركية اليوم استهدفت دفاعات جوية ومواقع مراقبة وإطلاق مسيرات بإيران
-
16:43
المتحدث باسم الحرس الثوري: الولايات المتحدة تعرض أمن إمدادات الغاز والنفط العالمية للخطر بتدخلاتها بمضيق هرمز
-
16:39
المتحدث باسم الحرس الثوري: سنواصل ممارسة سيادتنا على مضيق هرمز ونجبر القوى الأجنبية وحلفاءها على الاستسلام
-
16:35
رئيس مجلس القيادة الرئاسي باليمن: لن نسمح مستقبلا لأي طائرة بانتهاك أجواء اليمن سواء مطار صنعاء أو أي مطار آخر
