اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بين وفرة الموارد المائية المعلنة والأزمة المستمرة على أرض الواقع، يعيش لبنان مفارقة لافتة. فمن بلد اشتهر تاريخياً بوفرة الينابيع والأنهار، تحوّل اليوم إلى بلد يواجه خطر استنزاف موارده الجوفية، وسط تضارب في الأرقام وتباين في المقاربات بين الحقائق العلمية والخيارات السياسية.

تقرير 2014: من الفائض إلى العجز

كشف تقرير "تقييم الموارد الجوفية في لبنان" الصادر عام 2014 عن وزارة الطاقة والمياه وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ،(UNDP) بتمويل من الحكومة الإيطالية، أنّ صورة لبنان كـ"بلد المياه" لم تعد واقعية، في ظل الاستغلال العشوائي والضخ المفرط منذ سبعينيات القرن الماضي. التقرير، الذي استند إلى دراسة ميدانية بدأت في تشرين الاول  2011 واستمرت نحو سنتين ونصف، أظهر أنّ معدل التغذية الطبيعية للمياه الجوفية، يتراوح بين 4728 و7263 مليون متر مكعب سنوياً، في حين يبلغ الاستهلاك حوالى 2588 مليون متر مكعب.

ورغم وجود فائض على المستوى الوطني، إلا أنّ الأحواض الساحلية الكبرى والبقاعية تسجل عجزاً خطراً، إذ بلغ النقص في حوض شمال لبنان الكريتاسي أكثر من 150 مليون متر مكعب في السنة الجافة 2010-2011، فيما سجّل حوض بيروت نحو 38 مليون متر مكعب سنوياً. كما انخفضت مستويات المياه الجوفية في البقاع بين 20 و27 متراً منذ السبعينيات، وتفاقمت ظاهرة تداخل مياه البحر في الأحواض الساحلية مقارنة بما رُصد في دراسة الـUNDP عام 1970.

جدل "الـ500 مليون": تضليل أم سوء فهم؟

في السنوات الأخيرة، بدأ الترويج لرقم 500 مليون متر مكعب فقط كمورد جوفي متجدد للبنان، لتبرير سياسة بناء السدود المكلفة. هذا الرقم أُخذ من تقرير منظمة الفاو (FAO) الصادر عام 2008، الذي اعترف في الوقت نفسه بأرقام الـUNDP  لعام 1970 التي قدّرت المورد الجوفي بحوالى 3.2 مليار متر مكعب. بينما الـ500 مليون لم يكن سوى إشارة إلى الاستخدام الفعلي حينها، لا إلى حجم المورد المتجدد.

أما دراسة الـUNDP  الأحدث عام 2014 فهي المرجع الأدق، إذ قدّرت التغذية السنوية بين 4.1 مليارات متر مكعب في السنوات الجافة، و6.6 مليارات متر مكعب في السنوات الرطبة، في وقت لا تتجاوز حاجة لبنان السنوية 1.5 مليار متر مكعب. وبالتالي، فإن التمسك بالرقم المتدني لا يعكس حقيقة الموارد، بل يضلل الرأي العام ويدفع نحو مشاريع سدود إسمنتية مكلِفة وغير مجدية.

أبي راشد: الأزمة ليست في ندرة المياه

بل في سوء إدارتها

مؤسس ورئيس "جمعية الأرض – لبنان" بول أبي راشد أكد لـ "الديار"، أنّ "الأزمة ليست في ندرة المياه بل في سوء إدارتها". وأوضح "أنّ رقم 500 مليون متر مكعب يُستخدم خارج سياقه، إذ إنّ التقارير التقنية القديمة أشارت إليه كاستعمال فعلي في سنوات محددة، فيما الموارد الفعلية تتراوح بين 4.1 و6.6 مليارات متر مكعب وفق دراسة 2014".

وشدّد على "أنّ الرقم يُستعمل لتبرير مشاريع السدود، رغم أنّ الطبيعة الكارستية للبنان تجعل كثيراً منها غير فعّال". وحذّر من "انعكاسات هذه المشاريع البيئية، من تدهور الموائل الطبيعية واقتطاع الغابات إلى الانبعاثات الكربونية وطمر الأودية، فضلاً عن الكلفة الاقتصادية المرتفعة مقابل متر مائي غير مضمون".

الحاج: الأرقام المتداولة وهمية

 والسدود مشاريع باهظة وفاشلة

أما  الباحث والخبير المائي والبيئي البروفسور أحمد الحاج فقد شدّد على أنّه "لا يمكن الركون إلى رقم ثابت للمياه الجوفية، لأنها تتغير سنوياً بحسب كمية الثلوج والأمطار". وأوضح أنّ "تقديرات الأمم المتحدة للمياه بدأت في أواخر الستينات، وصدر أول تقرير عام 1973 بعد حفر آبار تجريبية، وقدّر الموارد بـ1.2 مليار متر مكعب".

أما اليوم، يضيف الحاج ، "فيعتمد القياس على النمذجة الكومبيوترية ، لكنها تبقى غير دقيقة، خصوصاً أن الطبقات الجيولوجية الأعمق والأكثر إنتاجية لم تؤخذ كلها في الاعتبار". واشار الى "أنّ الأرقام المتداولة حالياً "وهمية"، لافتا إلى "أنّ بحثاً أجراه لآخر عشر سنوات أظهر أنّ متوسط حجم المياه الجوفية بلغ 853 مليون متر مكعب، وهو أكبر بكثير من الرقم المروّج له".

وتطرق الحاج إلى ملف السدود مذكّراً بأن "أول سد في لبنان كان القرعون عام 1965 بسعة 220 مليون متر مكعب، وكان من المفترض استكمال الخطة ببناء سد الخردلي بسعة 120 مليون متر مكعب لكنه لم يُنجز. وبعد الحرب الأهلية، عادت الفكرة إلى الواجهة من خلال الخطة العشرية، لكن لم يُنفّذ سوى سد شبروح بسعة قصوى 8 ملايين متر مكعب، لا يخزن اليوم سوى نصف مليون. أما سدود بريصة في الضنية وتنورين فلم تخزن نقطة ماء واحدة". وبرأيه "ترتبط مشاريع السدود في كثير من الأحيان باستملاك أراضٍ واسعة يعاد بيعها بأسعار مرتفعة، إلى جانب قطع الأشجار واستغلال المقالع. "

وأشار أيضاً إلى الكلفة الباهظة، "حيث وصلت في لبنان إلى 18 دولاراً للمتر المائي الواحد، مقارنة بنصف دولار إلى 5 دولارات عالمياً". كما حذّر من "تأثير أكثر من 160 ألف بئر غير مرخص تضخ نحو 700 مليون متر مكعب سنوياً، ما أدى إلى تدهور نوعية المياه وتملّح الساحل وانخفاض المستوى في البقاع إلى 120 متراً."

واقترح "بدائل مثل إعادة تكرير المياه العادمة للري (مع وجود 64 محطة لا تعمل حالياً)، واعتماد تقنيات ري حديثة، وتفعيل الهيئة الناظمة، وإنشاء محطات تكرير على الأنهار مباشرة".

وفي السياق القانوني، أُقرّ القانون 221 عام 2000 لتقسيم صلاحيات وزارة الطاقة والمياه إلى خمس مؤسسات، لكنه أبقى الصرف الصحي بيد الوزارة. ثم صدر القانون 77 عام 2018 الذي ركّز على الإدارة اللامركزية لموارد الأحواض، تلاه القانون 192 عام 2020 كتعديل، غير أنّ جميع هذه القوانين ما زالت بحاجة إلى تحديث وتفعيل فعلي.

الوزارة بانتظار لجنة خبراء

 والحسم مؤجَّل بعيداً عن السياسة

أكد مصدر في وزارة الطاقة والمياه لـ"الديار" أنّ الوزارة "لا تريد الدخول في الزواريب السياسية، وأن الوزير جو صدي أعلن منذ البداية أن عمر الحكومة لا يسمح بحل شامل لملف السدود، لكنه أعطى الأولوية لأربعة مشاريع صُرفت عليها أموال هي سدود المسيلحة، بقعاتا، جنة وبلعا، بانتظار لجنة خبراء دولية لتقييم ملفاتها وإصدار رأي علمي بعيد عن الحسابات السياسية والانتخابية".

فالمحصلة أن أزمة المياه في لبنان ليست أزمة ندرة بقدر ما هي أزمة إدارة. الموارد الجوفية موجودة ووفيرة إذا أُحسن استغلالها، لكن الفوضى في الآبار، الفاقد الهائل في الشبكات، غياب الرصد والبيانات، وتفضيل السدود المكلفة على الحلول المستدامة، كلّها عوامل تدفع البلاد نحو خطر العطش. وما لم تُعتمد سياسات رشيدة وشفافة، فإن بلد "الينابيع والأنهار" مهدد بأن يتحول إلى بلد يستورد الماء.

الأكثر قراءة

جنيف تظلل مفاوضات واشنطن...هل يستفيد لبنان؟ «فيتوات» عدة... ورهان على بدء الانسحاب التدريجي!