اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يُعد الماء عنصرا أساسيا في حياة الإنسان، إذ يشكل ما يقارب 60% من كتلة الجسم، ويشارك في جميع العمليات الحيوية تقريبا. لكن دوره لا يقتصر فقط على ترطيب الأنسجة أو تنظيم حرارة الجسم، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في الصحة النفسية والجهاز العصبي. ومن أبرز الجوانب التي يربطها الباحثون بالماء، هو تأثيره في هرمون التوتر "الكورتيزول" الذي يُفرزه الجسم عند مواجهة الضغوط.

من المعروف أن الكورتيزول يُفرز من الغدة الكظرية استجابةً لمواقف الضغط الجسدي أو النفسي، ليُساعد الجسم على التعامل معها عبر رفع مستويات الطاقة وتنشيط الجهاز العصبي. لكن المشكلة تكمن في ارتفاعه المزمن أو المستمر، إذ يُسبب القلق، اضطراب النوم، زيادة الوزن، وارتفاع ضغط الدم. هنا يبرز دور الماء كعامل موازِن يساهم في تخفيف هذا العبء الفسيولوجي.

أظهرت دراسات حديثة أن حتى الجفاف الخفيف، أي فقدان 1-2% فقط من سوائل الجسم، قادر على رفع مستويات الكورتيزول بشكل ملحوظ، وهو الهرمون المسؤول عن الاستجابة للإجهاد. فعندما تقل كمية الماء في الجسم، يفسّر الجهاز العصبي ذلك كعامل ضغط داخلي، فيطلق الجسم إشارات هرمونية لتعويض النقص وحماية الأعضاء الحيوية. وبذلك، يصبح الجفاف عاملاً خفيا يضاعف من الإحساس بالتوتر، ويضع الجسم في حالة "إنذار" مستمرة، حتى دون وجود مؤثر خارجي مباشر.

ولا يقتصر تأثير نقص الماء على الجسم فقط، بل يمتد ليشمل وظائف الدماغ بشكل مباشر، حيث يؤدي الترطيب دورا أساسيا في الحفاظ على الأداء العصبي. فعند شرب كميات كافية من الماء، يتحسن تدفق الدم والأوكسجين إلى المخ، ما يزيد من القدرة على التركيز والقدرة على حل المشكلات، ويقلل من الانفعال وسرعة الغضب. وعلى العكس، يؤدي الجفاف إلى تباطؤ الإشارات العصبية وزيادة التعب العقلي والإحساس بالإرهاق، وهو ما يعزز حلقة مستمرة من التوتر والإجهاد النفسي.

كما أنّ الترطيب الجيد يؤثر بشكل كبير في جودة النوم، الذي يُعد عنصرا مهما للتحكم في مستويات الكورتيزول. فالنوم المنتظم والعميق يساعد على خفض إفراز هذا الهرمون، بينما يؤدي الأرق أو النوم المتقطع إلى بقائه مرتفعًا لفترات أطول، ما يفاقم التوتر. هنا يظهر دور الماء كعامل موازن، إذ يدعم الترطيب المستمر عمل أجهزة الجسم الحيوية، بما فيها الجهاز العصبي والغدد الصماء، مما يساعد على استقرار دورة النوم الطبيعية وتقليل فرص ارتفاع الكورتيزول.

إضافة إلى ذلك، يمكن اعتبار الماء أداة نفسية وسلوكية لتعزيز الشعور بالراحة. فشرب كوب من الماء البارد عند الشعور بالضغط النفسي أو الانفعال، يمكن أن يكون إشارة للجسم للانتقال من حالة "الاستعداد الدفاعي" إلى حالة الاسترخاء، ما يمنح الفرد شعورا بالتحكم والسيطرة على مشاعره. هذا التفاعل بين السلوك اليومي والجهاز العصبي، يؤكد أن الماء عنصر حيوي يتجاوز دوره كحاجة جسدية، ليصبح وسيلة طبيعية للتخفيف من التوتر.

في المحصلة، تتضح أهمية العلاقة بين الماء وهرمون التوتر كعلاقة معقدة ومتكاملة، إذ يُعد الترطيب الكافي وسيلة طبيعية للحفاظ على مستويات الكورتيزول ضمن نطاقها الصحي، وتعزيز الصحة النفسية والجسدية على حد سواء. لذلك يُنصح بالحرص على شرب كميات كافية من الماء يوميًا – بمعدل 8 أكواب تقريبا أو أكثر حسب الوزن والنشاط البدني، لتجنب الدخول في حلقة مفرغة من الجفاف والتوتر المزمن، وتحقيق توازن أفضل بين الجسم والعقل.


الأكثر قراءة

جنيف تظلل مفاوضات واشنطن...هل يستفيد لبنان؟ «فيتوات» عدة... ورهان على بدء الانسحاب التدريجي!