اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

من السهل أن يضع البعض الممثل في قفص الاتهام، وأن يجعلوا منه شماعة لتعليق خيبات الدراما اللبنانية. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير: الممثل ليس أصل العطب، بل هو الوجه الأخير الذي يعكس وجعًا تراكم من النصوص المبتورة، ومن الإخراج الذي فقد جرأته، ومن منظومة تُعيد تدوير نفسها حتى الملل. الممثل ليس المذنِب بل الضحية، يُضاء وجهه أو يُطفأ تبعًا للضوء الآتي من النص والرؤية.

النصّ… قلب الدراما الغائب

لا مسرح بلا نص، ولا دراما بلا حكاية. القصة هي العمود الفقري، هي الروح التي تنفخ الحياة في الممثلين والمشاهدين معًا. وحين تُحاك القصة بخيوط واهية، يسقط كل ما فوقها: الحوار يصبح باردًا، الحبكة مفتعلة، والشخصيات بلا منطق أو عمق.

لكن في المقابل، أثبتت بعض التجارب أنّ الحكاية اللبنانية قادرة على النجاح متى أُعطيت حقها. هناك أعمال كُتبت من وجدان لبناني خالص، أُخرجت برؤية لبنانية، وأداها ممثلون لبنانيون، فنجحت لأنها امتلكت مقومات الدراما الحقيقية: نصّ متين، إخراج صادق، وأداء نابض. هذه النماذج القليلة أكّدت أن النجاح ليس وهمًا، وأنه حين يُراد للدراما أن تنهض، فهي تنهض وتُبهر.

الإخراج… عينٌ تصنع أو تهدم

المخرج هو من يمنح النص حياته البصرية. هو الذي يحوّل الورق إلى مشهد، ويحوّل الكلمات إلى صورة تُقنع وتُدهش. حين يغيب حضوره، تتفكك الحكاية ويتشتت الأداء، وحين ينهض بدوره، يعيد للنص وهجه ويصنع من مشهد بسيط لحظة لا تُنسى. المخرج هو الميزان: يُقيم العمل كله على كفّ يده.

الممثل… شاهد على الخلل وضحية له

الممثل كثيرًا ما يُدان ظلمًا. لكن الحقيقة أنه يُطلب منه المعجزات في ظروف ناقصة: نصوص تكتب على عجل، حوارات تُرتجل خلال التصوير، ومخرجون يقبلون العمل وسط فوضى لا تليق بفنّ يُفترض أن يعيش. الممثل يقف أمام الكاميرا مجرّدًا من النص أحيانًا، ثم يُحاسَب بعد ذلك على ضعف العمل وكأنّ الخطأ خطأه وحده. بينما الواقع أنه الحلقة الأخيرة في سلسلة من الخلل الذي يبدأ من القلم ويمرّ بالعدسة قبل أن يصل إلى وجهه.

المسلسلات المعرّبة… اعتراف بالهزيمة

اللجوء إلى المسلسلات المعرّبة ليس علامة قوة، بل اعترافٌ صريح بأن الصناعة المحلية عاجزة عن إنتاج قصص تُشبهنا. القصة هناك، والإخراج هناك، ثم تُفرغ القوالب لتُملأ بممثلين عرب. والنتيجة: عمل بلا روح، لا هو محليّ ولا هو عالميّ. في حين أنّ الأعمال اللبنانية الصافية التي نجحت أثبتت أنّ الطريق ليس في الاستعارة بل في الإبداع من الجذور.

التكرار… عجلة في الوحل

منذ عقود والأسماء نفسها تتناوب على صناعة الدراما. بعضهم نجح فعلًا، لكن آخرين أخفقوا مرارًا، ومع ذلك يُستعادون مرّة بعد أخرى. أي صناعة تكافئ الفشل وتقصي الجديد؟ الدراما التي لا تجدّد دماءها تتحوّل إلى جثة تمشي. وحده التنويع يفتح نافذة الهواء، وحدها الجرأة على منح الفرصة لكتّاب ومخرجين جدد تُعيد للدراما حيويتها.

طريق الخلاص

الخلاص ليس مستحيلًا. نجاح بعض الأعمال اللبنانية الخالصة يثبت أنّ الإمكانية موجودة. المطلوب فقط هو احترام النصوص، إعطاؤها وقتها قبل الكاميرا لا تحت ضغط التصوير، اختيار المخرج برؤية لا بعادة، ومنح الممثل ما يستحق من مساحة ووقت. حين تتكامل هذه العناصر، تُولد دراما لبنانية نابضة، تحمل اسمها بجدارة وتصل إلى المشاهدين بثقة.

خاتمة

الممثل ليس علّة الدراما اللبنانية، بل ضحيتها. الخلل الحقيقي في النصوص الناقصة، في الإخراج المترهّل، في التكرار الذي يقتل الجرأة، وفي التعريب الذي يسرق الهوية. لكنّ لحظات النجاح القليلة التي كانت لبنانية مئة في المئة أثبتت أنّ الأمل ليس بعيدًا. حين يُراد للدراما أن تنجح، فهي تنجح، وحين تتضافر النصوص الأصيلة مع إخراج جريء وأداء صادق، تتحوّل الدراما اللبنانية من ظلّ الآخرين إلى صورتها الخاصة، واضحة وقوية. 

* مخرج - صحافي وناقد سينمائي

الأكثر قراءة

سقوط نجمة داود عن قبة الكابيتول ؟