شهدت الساحة الدولية في أيلول المنصرم موجة إعترافات جديدة وغير مسبوقة بدولة فلسطين على مستوى حكومات عدّة، إذ بلغ عدد الدول التي أعلنت رسمياً اعترافها بها نحو 159 دولة. ويمثّل هذا التحوّل النوعي لحظة ديبلوماسية تاريخية، لها دلالات قانونية وسياسية ، قد تُترجم إلى آثار مباشرة وغير مباشرة على اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، لناحية حرية حركتهم وتنقّلهم بين هذه الدول.
ليست المرّة الأولى التي يتمّ فيها إعتراف دول العالم بدولة فلسطين، على ما تقول أوساط ديبلوماسية مطلعة، إذ بدأ هذا الإعتراف مباشرة في العام 1988 ، بعد إعلان الرئيس الراحل ياسر عرفات قيام دولة فلسطين على الحدود المحتلة عام 1967وعاصمتها القدس الشرقية في كلمة أمام المجلس الوطني الفلسطيني، في العاصمة الجزائرية. وقد اعترفت في العام نفسه 83 دولة بفلسطين، ثمّ كرّت سبحة الإعترافات بين 1989 - 1998، ومن ثمّ بين عامي 2004 و2019، وأخيراً بين عامي 2023 و2024 ، وصولاً إلى أيلول من العام الحالي (2025).
غير أنّ الاعتراف الأخير غير المسبوق، الذي جرى في الامم المتحدة في نيويورك من قبل دول جديدة هي بريطانيا، كندا، أستراليا، البرتغال، فرنسا، إمارة موناكو، لوكسمبورغ، بلجيكا، مالطا، أندورا وسان مارينو، أتى ضمن خطوة تهدف للضغط على "إسرائيل"، من أجل إنهاء العدوان على قطاع غزّة وحلّ الصراع الفلسطيني - "الإسرائيلي" بالكامل، على أساس حلّ الدولتين.
وقد وصل بذلك عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى 159 (أو 160) من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة. وتُثار العديد من التساؤلات عن جدوى هذه الخطوة وأهميتها بالنسبة للفلسطينيين عموماً واللاجئين منهم في لبنان وفي دول الجوار ، في ما يتعلّق بتعزيز العلاقات الديبلوماسية بين فلسطين والدول المعترفة بها، وتأثير ذلك على حركة الفلسطينيين وتنقّلهم بين هذه الدول.
والمهم في اعتراف هذا العدد الهائل من الدول بفلسطين، على ما تلفت الأوساط، أنّه يُشكّل فرصة سانحة لكي تبني عليها دولة فلسطين ، لكي تحصل أولاً على "عضوية كاملة" في الأمم المتحدة، بدل أن تبقى بصفة "عضو مراقب"، وتعمل بالتالي على تعظيم الجهود السياسية والديبلوماسية والقانونية والدولية لتحقيق أهداف عدّة، بعد إنهاء الإحتلال ومحاسبته وتطبيق بنود مبادرة السلام العربية، من بينها تعزيز الشخصية القانونية والولاية المعترف بها لدولة فلسطين ، ريثما يتم تجسيدها على الأرض. فضلاً عن ضرورة تعزيز وتطوير علاقات دولة فلسطين، لا سيما مع الدول المعترفة بها وفي مختلف المجالات.
وقبل أن يتمكّن اللاجىء الفلسطيني في لبنان، على ما عقّبت الأوساط الديبلوماسية من الحصول على تأشيرة دخول إلى هذه الدول، فإنّه على الرئيس الفلسطيني والحكومة المنوي تشكيلها، القيام بخطوات سياسية وبروتوكولية وديبلوماسية، تترتّب على الاعترافات الدولية بدولة فلسطين أهمّها:
1- رفع مستوى تمثيل سفارات دولة فلسطين من بعثات إلى سفارات في بعض هذه الدول، وفتح سفارات في الدول الأخرى، ورفع العلم الفلسطيني عليها خلال احتفالات رسمية يشارك فيها الطرفان.
2- إعادة تقديم أوراق اعتماد السفراء للرؤساء والملوك والقادة في هذه الدول، باعتبارهم سفراء دولة فلسطين، ولا بد من القيام بالإجراءات اللازمة لذلك.
3- لا بدّ بالتالي من تحديد الأرض أو دولة فلسطين على حدود العام 1967، والضغط أيضاً على الحكومة "الإسرائيلية" للإنصياع الى إرادة السلام الدولية.
والاعتراف الرسمي بدولة ما، على ما توضح الأوساط، يسمح بتبادل العلاقات الديبلوماسية الكاملة وفتح السفارات، ما يمنح الطرف الفلسطيني قدرة أكبر على تمثيل مواطنيه في الخارج، وتوقيع الاتفاقيات الثنائية مع الدول الغربية الكبرى ودول أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، التي اعترفت بدولة فلسطين، أو أعادت تأكيد اعترافها في الأمم المتحدة.
وتعكس هذه الخطوة تغييراً ملحوظاً في المزاج الدولي، إذ لم تعد القضية الفلسطينية محصورة في دائرة التضامن الرمزي، بل انتقلت إلى مستوى القرار السيادي الذي يسمح بتبادل التمثيل الديبلوماسي وفتح السفارات. غير أن تحويل هذا الاعتراف إلى واقع ميداني يحتاج إلى ترتيبات قانونية وإدارية واتفاقات مع الدول المضيفة ومع السلطات الفلسطينية نفسها.
غير أنّ القيادة الفلسطينية اليوم تواجه تحديات داخلية، تعيق الاستفادة الكاملة من هذه الموجة الديبلوماسية، على ما ترى الأوساط، أبرزها الانقسام السياسي بين الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وغياب حكومة موحّدة تحظى بثقة كلّ الفصائل الفلسطينية، وتملك صلاحيات تنفيذية لتفعيل العلاقات الخارجية. وقد دفع ذلك بعض الأطراف الفلسطينية والدول الراعية، لا سيّما روسيا ومصر، إلى طرح فكرة تشكيل حكومة تكنوقراط مؤقّتة بعيدة عن الاستقطاب الحزبي، تُشرف على إعادة ترتيب المؤسسات وتوحيد القرار السياسي تمهيدًا للانتخابات. وهذه الحكومة، إن شُكّلت يمكن أن تعزّز موقع فلسطين التفاوضي وتمنح الدول المعترفة ثقة أكبر في التعامل الديبلوماسي المباشر.
وبعد الاعتراف، وضعت بعض الدول، على ما ذكرت الأوساط الديبلوماسية، شروطاً سياسية وأمنية قبل المضي في فتح السفارات. فرنسا مثلاً، أكدت أن فتح سفارتها في الأراضي الفلسطينية سيكون "في المرحلة التالية لإطلاق سراح الرهائن ووقف الحرب في غزة"، فيما اشترطت دول أخرى كأستراليا وكندا التزام السلطة الفلسطينية بالإصلاحات الإدارية والمالية، وضمان الفصل بين السلطات، والالتزام بمسار تفاوضي سلمي.
كذلك لا تزال الانقسامات الفلسطينية الداخلية عائقاً أساسياً أمام توحيد التمثيل الديبلوماسي، الأمر الذي ينعكس سلباً على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ، الذين يفكّرون بالانتقال إلى دولة ثالثة، من بين الدول المعترفة بدولتهم. وهذا يعني بأنّه عليهم الانتظار بعض الشيء، على ما تشير الأوساط، لكي تأخذ الأمور منحاها السياسي والديبلوماسي الصحيح، ما يُسهّل عليهم حرية التحرّك في هذه الدول بحرية وضمن ما تقتضيه الأصول الديبلوماسية والقانونية.
من هنا، على المستوى العملي، لا تتوقّع الأوساط أن يُحدث الاعتراف وحده تحوّلاً جذرياً في أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لكنّه يفتح الباب أمام تحرّكات ديبلوماسية جديدة واعدة، إذ يمكن أن يؤدي تبادل السفارات إلى توفير خدمات قنصلية للفلسطينيين المقيمين في لبنان (تصديق أوراق، وثائق سفر، مساعدة قانونية)، كما يمكن أن يعزز من حضور الديبلوماسية الفلسطينية لدى السلطات اللبنانية والمؤسسات الدولية.
الى جانب ذلك، من شأن الاعترافات أن تُقوّي موقع فلسطين داخل الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، ما قد بُترجم لاحقاً بزيادة الدعم لوكالة الأونروا أو بتأمين تمويل جديد لمشاريع تنموية في المخيمات الفلسطينية. كما أن تتحوّل هذه الاعترافات إلى مسار فعلي نحو السيادة وبناء الدولة، من شأنه أن ينعكس إيجاباً على ملايين الفلسطينيين في الداخل والشتات، ومنهم اللاجئون في لبنان الذين ينتظرون منذ عقود بارقة أمل تُترجم الاعتراف السياسي إلى كرامة معيشية وحقوق مدنية ملموسة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:46
رئيس الحكومة نواف سلام لـ"العربية": لم نختر الحرب وتم جر بلدنا للمواجهة بين إيران وأميركا.
-
23:46
سلام: بنت جبيل باتت نسخة من غزة، ومنفتحون على اتفاق سلام مع "إسرائيل" بعد تلبية مطالبنا.
-
23:40
ترامب لأكسيوس: ناقشت مع نتنياهو رد إيران.
-
23:25
الرئيس الأميركي دونالد ترامب: رد إيران غير مقبول على الإطلاق
-
23:18
اعلامية اسرائيلي: مقتل جندي إسرائيلي جراء انفجار محلّقة مفخخة تابعة لحزب الله داخل قاعدة عسكرية في الشمال.
-
23:12
غارة إسرائيلية على بلدة حاريص في جنوب لبنان.
