اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

نحن اليوم نعيش عشية نهاية السنة الثانية لطوفان الأقصى، هذا الطوفان الذي طاف علينا وعليهم وعلى العالم، وخربط المعادلات وأسقط الكثير من المعتقدات، وأجهض مشاريع وأيقظ مشاريع، وجلب العالم الى فلسطين، ليشهد على أضخم مجزرة إبادة تحصل في التاريخ.

طوفان الأقصى اكثر من لحظة تاريخية وأكبر من عملية عسكرية، انه لحظة تقاطع مصالح الدول على تقاطع طرق اسمه فلسطين، انه الانفجار الذي دوى صوته في جهات العالم الأربع وأخاف المستبدين.

هذه المرة جلب طوفان الأقصى سيلا زحف من العالم الى فلسطين، ومعه أحماله على أنواعها، ورماها عليها وعلينا وعلى الامة بكامل كياناتها.

لأول مرة في التاريخ، يتراجع الطوفان بعد ان يتقدم، يحمل معه زوادة ويعود الى مصادره آمنا، بعد ان ترك هزة أطاحت بالبشر والمؤسسات وركائز الكيان.

لأول مرة يضرب الملاكم عدوه بالضربة القاضية ولا يربح المعركة.

لأول مرة تتحقق المعجزة، وتترنح غاية الكيان على بساط الريح، وتنتظر من يصد الريح كي لا يعود البساط الى مسقط رأسه.

لأول مرة يعفو القتيل الذي قام من الدمار عن القاتل، ويطالبه بتسديد فواتير الاستبداد والأسر، ويتصرف وكأنه في ميدان حرب، فيه من الاخلاف ومن الشرف ما يضمن تنفيذ الوعود، مع انه يعلم ان الشرف محذوف من قاموس أفعال العدو، وهذا العالم الذي تتحكم فيه إرادة المجزرة والابادة.

أمر الطوفان بحضور الفجر، وحين بزغ الفجر، أوقف الأرض عن الدوران ونسي شروق الشمس.

ما همنا ان كان العدو يعلم او لا يعلم. ما نعرفه ان اللحظة أفقدته صوابه، وعطّلت عقله، وقطعت خطوط التواصل بينه وبين الوعي وكادت تفقده كيانه.

ما نعرفه ان الوجود احتل مساحات اليأس والخيبة، وان القضاء والقدر قال كلمته، وأننا على مشارف كسر ارادة العدو.

هي ثلاثة أيام تعادل مئة عام من عمرنا وعمر البلاد. هي ثلاثة أيام أيقظتنا من حالة الانكسار وزرعتنا على حفاف الانفراج.

ثلاثة أيام اودعت فينا رصيد الزمن التالي، وأشعرتنا انها أنقذتنا من زمن التفليسة.

كانت الصدمة اكبر من تداول الفكرة، لذلك كنا كمن عبّ كؤوس الخمّارة وحده، وسكِر معه كل من نادمه وكأسه فارغة.

كانت المسافة بين الاحتلال والتحرير بطول المسافة الممتدة بين الرمش والرمش.

الحروب المصيرية لا تقبل نصف هجوم، ولا نصف دفاع، ولا نصف انتصار او نصف هزيمة، الحروب المصيرية لا تقبل بين بين. هي حرب انتصار او حرب هزيمة، ومن يراهن على غير ذلك ستأكله الحرب.

كان الطوفان اكبر من الهدف، كان الهدف تحرير الأسرى، وكان الطوفان بحجم التحرير، لو تساوى الهدف مع القوة انقلبت الحال والأحوال، ومن كان يخاف من اندلاع حرب شاملة او حرب عالمية، كان عليه ان لا يغامر، وطالما ركب المغامرة كان عليه ان يلعبها بنداء تحرير الأرض، وليس بنداء تحرير الأسرى.

قد يظن بعضهم اننا نقول هذا بعد سنتين من نشوب الحرب. يعرف كل الذين ناقشنا معهم موضوع طوفان الأقصى، ان هذا رأينا بعد التحرر من السكرة والعودة الى الفكرة.

أهم ما سيبقى من نتائج طوفان الأقصى، هو اننا قادرون على هزيمة العدو واحراز الانتصار عليه، وان ما حصل في طوفان الأقصى وحرب الاسناد، سيتراكم مع ما حصل منذ عملية سلامة الجليل، الى لحظة اندلاع حرب الطوفان.

أهم ما سيبقى من حرب الطوفان انه لا يمكن ان نهزم العدو وهو يقاتلنا قبضة واحدة، ونحن نقاتله قبضات طوائف ومذاهب.

أسوأ ما سيبقى من نتائج الطوفان اننا خضنا الحرب كحرب حدود، وليس كحرب وجود.

من نتائج حرب الطوفان انقلاب الصورة، حيث اصبح العدو يحاربنا حرب وجود، ونحن نحاربه حرب حدود.

بقدر ما كان الطوفان أكبر من الهدف، كان السيل الذي جرف كل الحدود، ووصل الى كيان العدو أقوى من الطوفان.

جاء السيل الى فلسطين حاملا معه عودة الحياة للكيان، الذي كان على مشارف فقدها.

مضت سنتان على طوفان الأقصى. كم حلمنا في هاتين السنتين برؤية ملامح الزمن الجديد، وكم حلمنا بأننا أقرب الى النصر وأبعد من الهزيمة، وكم تدحرج الحلم حتى اصبحنا نرى النصر في البقاء على قيد الحياة.

نحن ننتصر اذا بقينا على قيد الحياة. فما سقط علينا من السماء، وما وصل الينا من مرابض المدافع، كاف ليعدم الحياة في بلادنا.

في نهاية السنة الثانية لطوفان الأقصى، يشهد العالم طوفانا من الإدانة لكيان العدو، لم يشهده منذ تأسس حتى اليوم. تشهد المنطقة طوفانا من الخوف والرعب، وما يمكن ان يفعله الوحش الهارب من زريبة الوحوش التي بناها قراصنة هذا الزمن. 

الأكثر قراءة

هل تنجح مفاوضات واشنطن في ترجمة تفاهمات سويسرا؟ روبيو: لبنان خارج الاتفاق وغرفة عسكرية لمواكبة «الخلية الرباعية»