لم تعد الحياة هي الحياة التي عهدناها. وكأن عجلة الزمن قد أسرعت فجأة، فهدمت بيوتنا القديمة من الداخل، واستبدلت النبض البسيط للوجود بإيقاع صاخب لا يرحم. كل شيء تبدل، الوجوه، الأزمنة، وحتى الأمكنة التي كانت لنا مأوى وسكينة يوما، صارت غريبة كأنها لا تعرفنا.
بيوت الريف التي كانت تشبه صدر الأم، تحضن أبناءها بالحب والبساطة، لم تعد كما كانت، اضحت باردة خالية من رائحة البركة واصوات الأحبة. الأرض التي كانت تنبض بالسنابل، صارت وعرا يابسا ورائحة التراب الذهبي التي كانت تعبق في كل صباح غابت خلف غبار الإسمنت. لم نعد نسمع زقزقة العصافير في الصباح الباكر، بل هدير المحركات وضجيج الآلات. صارت البيوت كعلب مغلقة لم يبق منها سوى حنين يتردد في ذاكرة الكبار على مائدة العشاء الاخير. لقد تغير كل شيء، حتى الإنسان نفسه تغير، كان يمشي فرحا، يكتفي بالقليل، ويضحك من قلبه ليغفو قرير العين على صوت الحكايات، فبات يركض كمن يلحق ظله ولا يدركه، يبيع دقائقه وجهده في سوق لا يشبع، ليشتري أشياء تلمع ولا تشبع الروح. الشعوب بأسرها صارت أشبه بقطيع يساق بلا هوادة، نحو معابد المال والاستهلاك، يركعون أمام الرصيد البنكي (المتبخر) كأنه إله العصر الجديد.
لكن، وسط هذا الطوفان، تعلوا اسئلة كثيرة: ماذا بقي من جوهر الحياة؟ وما الذي يجب أن نفعله كي لا نفقد إنسانيتنا؟ كيف نستعيد روحية العافية الفكرية والنفسية والروحية والجسدية؟
لابد من التوقف عن الركض الأعمى وأن نتعلم فن التوقف، فن أن نقول لا، فن الاصغاء، أن نصغي إلى صمت الطبيعة، إلى وقع أنفاسنا، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا. فالحياة لا تقاس بعدد الساعات التي عملناها، بل بمدى اللحظات التي عشناها بامتلاء الروح واغتباط النفس. آن الأوان لإحياء العلاقات الإنسانية وأن نعود إلى دفء اللقاءات البسيطة. أن نجلس حول مائدة بلا هواتف ولا شاشات، نستعيد حوارا صادقا، نستمع ونستمتع بأفكار الآخرين لا لنلهو فقط بل لنفهم جوهر الناس وحقيقة الخالق من خلالهم.
المصالحة مع الطبيعة هي من أهم الخطوات العملية التي يجب اتباعها. فلنجعل من الشرفة حديقة صغيرة، ومن النزهة في الحقل صلاة، ومن رائحة التراب المبلل مطرا عطرا لأرواحنا ومن ندى الصباح سترة من غبار المدن. فالطبيعة ليست ديكورا نلتقط أمامه الصور، بل جذر وجودنا الأول ودواء لكل متعب.
اما العودة إلى القيم الأصيلة هي ملاذنا. علينا أن نعيد الاعتبار للبساطة، وللرضى، وللحب كقيمة كبرى. فالحضارة لا تبنى فقط على ما نملك وماذا نعرف، بل على ما نعطي، ولا تقاس بما نشيد من أبراج، بل بما نحفظه من كرامة ودفء إنساني. من البيت والمدرسة تبدأ صناعة الإنسان الجديد، إنسان يعرف أن المال وسيلة لا غاية، وأن السعادة ليست في اقتناء الأشياء، بل في مرافقة من نحب، ومشاركة الآخرين في أفراحهم واحزانهم.
هلموا نسيرمعا نحو حياة أعمق جذورها الإيمان بالرب واغصانها نعمه وثمارها محبة الناس وظلها رضى الوالدين. هلموا نحيي هذه الحياة ونستعيد عافيتها وننطلق بوعي وأن نأخذ من الحداثة ما يسهل العيش، ومن الماضي ما يغني الروح. أن نبني جسرا بين العقل والقلب، بين العمل والراحة وبين الفرد والمجتمع. أدعوكم إلى النظر الى الحداثة بطريقة مختلفة إذ انها ليست معركة ضد الزمن، بل رفقة معه. وهي ليست سباقا نحو المال، بل بحث عن معنى يترك في القلب سلاما وفي الأرض أثرا وارثا. فلنخفف الوطء قليلا، ولنمشي كما يمشي العارف في بستان، يتأمل الوردة لا ليقطفها، بل ليحفظ جمالها في عينه وروحه.
لن تعود الحياة إلينا إلا حين نعود نحن إليها... بقلوب أبطأ، وأرواح أصفى، وافكارأنقى وعيون ترى جمال الله في كل شيئ. فمهما تبدلت منظومة الحياة تبقى رعاية الرب لنا هي الأساس.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
10:02
نائب أمين مجلس الأمن القومي الإيراني: يجب محاسبة المتورطين في اغتيال المرشد الأعلى وهو حق للشعب الإيراني
-
10:02
أ.ف.ب عن وزير الخارجية الفرنسي: لن ترفع العقوبات عن #إيران ما لم تتخل عن برنامجها النووي
-
07:47
حرس الثورة: دمرنا في القاعدة مراكز مهمة لإصلاح وصيانة المروحيات ومنشأة طائرات الاستطلاع الإلكترونية من طراز P-8 ومركز قيادة وتحكم الطائرات بدون طيار التابع للجيش الأمريكي
-
07:46
حرس الثورة: قواتنا دمروا بالكامل مخازن الوقود ومنظومة الدفاع الجوي "باتريوت" في قاعدة "علي السالم" الأميركية في الكويت بالإضافة إلى تدمير منظومة رادار استراتيجية من طراز "FPS" في قاعدة "أحمد الجابر"
-
07:45
معاريف": الولايات المتحدة تختار عدم استهداف أهداف قد تدفع الإيرانيين إلى رد غير متناسب وهذا مؤسف
-
07:18
الحرس الثوري الإيراني: استهدفنا بالصواريخ والمسيرات قاعدة أحمد الجابر بالكويت وقاعدة الأمير حسن الجوية في #الأردن
