اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

شهد المجتمع اللبناني والعربي، ومنذ بداية القرن العشرين تطوّرات ملحوظة في المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والتعليمية. وقد ساهمت هذه التطوّرات في كسر جزء من البنى الذكورية المتجذّرة في المجتمعات العربية والتي تحدّ من قدرات المرأة وتجعلها خاضعة لهذه السلطة. لكن، وبالرغم من هذا التّقدّم الملحوظ، ما زالت أكثريّة المجتمعات العربية أسيرة المجتمع الذكوري الذي يُقيّد حضور المرأة والذي يظهر بوضوح في العديد من المجالات في المجتمع.

فالمرأة، مهما بلغت من علم وكفاءة، تُواجَه غالبًا بمعايير اجتماعية تَرسم دورها مسبقًا وتُحدّد حدودها ٱستنادًا إلى منظومة فكريّة، نوعًا ما، تفضّل الرجل. ففي لبنان مثلا، يبدو هذا التناقض واضحًا: بلد الٳنفتاح ما زال أسيرًا لعادات وتقاليد تضع المرأة في موقع يجعل قيمتها متعلّقة أوّلًا بنظرة الرجل إليها، وثانيًا بنظرة المجتمع لها. ففي ظلّ التحدّيّات التي تواجهها المرأة العربية واللبنانية، باتت الحاجة مُلحّة لطرح السؤال التالي: في مجتمع لا تزال الأفكار الذكورية تلعب دورًا واضحًا فيه، ما هي التحدّيّات التي تواجهها النساء؟

إنّ المجتمع الذكوري ليس مجرّد مصطلح اجتماعي وحسب، بل يعبّر عن منظومة متكاملة من الأفكار والعادات والتقاليد التي تكرّس الأحقّيّة للرجل وتجعل من المرأة كائنًا يخضع في كثير من الأحيان إلى سلطة غير عادلة فقط بسبب جنسها. ففي هذا النظام، يُمنَح الرجل حقّ السيطرة وٱتّخاذ القرار، بينما ينحصر دور المرأة في الأدوار التقليدية والتي تتجسّد بالأمومة والطاعة والحفاظ على المناخ الهادئ في المنزل.

تظهر البنى الذكورية أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية: ففي المنزل، يكون القرار النهائي في غالبيّة الأوقات بيد الرجل. من الزواج إلى الطلاق، ومن الميراث إلى تربية الأطفال، حيث تُعامَل الفتاة منذ صغرها على أنّها "أقلّ حرّيّة" من أخيها. وتتجلّى هذه الذكورية أيضًا في مجالات العمل والسياسة حيث تخضع النساء لمعاملات غير عادلة من الفجوة في الأجور بين الجنسين أو في العمل السياسي حيث تُختزَل كفاءة الفتيات أحيانا في مظهرهنّ أو حالتهنّ الاجتماعية.

أمّا بما يخصّ السلوك الٳجتماعي اليومي، فالٳزدواجية في المعايير تظهر بوضوح، فإنّ الذي يُعتَبر شجاعة عند الرجل يُعتَبر تمرّدًا عند المرأة، وما يُسمَح به للرجل يُدان حين يصدر عن المرأة. فالذكورية ليست تصرّف فردي، بل هي ثقافة متوارَثة من جيل إلى جيل تغذّيها التربية والإعلام واللغة، فتصبح حقيقة طبيعية علمًا أنّها بناء ٳجتماعي يجب تفكيكه.

إنّ الإعلام مرآة المجتمع وهو الذي يصنع الآراء ويحرّك الشعوب ويلعب دورًا أساسيًّا في تشكيل الرأي العام. وبالرغم من الإنجازات العديدة التي تحقّقها النساء اللبنانيات والعربيات، ما زال الإعلام العربي في الكثير من الأحيان يجسّد المرأة في المسلسلات والإعلانات في صورتها النمطيّة: جميلة، ضعيفة، تابعة للرجل. ونادرًا ما تُقدَّم المرأة بصورة القائدة. لكن في المقابل بدأ الإعلام يشهد مبادرات عديدة تعيد رسم الصورة. وهنا تكمن مسٶوليّة الإعلام في ٱستخدام قوّته لتطبيع المساواة لا لٱعتبارها استثناء.

وبين الواقع والطموح تقف المرأة اللبنانية في مساحةٍ رماديّةٍ بين ما وصلت إليه وما تسعى إلى تحقيقه. فبالرغم من ثقافتها ونجاحها، إلّا أنّها ما زالت تواجه ٱنتقادات عديدة وتُحاسَب على كلّ تفصيل. فالتي تطالب بحقّها تُتَّهم بالوقاحة، والتي تلتزم الصمت تُنتَقد بالضعف، وإن اختارت مسارها الخاص تواجه نظرات الشّكّ وكأنّ حرّيّتها تشكّل تهديدًا للنظام الٳجتماعي.

رغم كلّ الصعوبات التي تواجهها المرأة في مجتمع ما زالت قيود الذكورية متغلغلة فيه، أثبتت أنّها قادرة على تجاوزها وعلى تحويل الألم كدافع للتّقدّم لا للٳستسلام. فالنساء اليوم تمتلك صوتًا أوضح وحضورًا أعمق في الإعلام والعمل والمجال السياسي. وإنّ ما يحتاجه مجتمعنا اليوم هو إيمانًا حقيقيًا بقدرة المرأة على المشاركة في بناء المستقبل إلى جانب الرجل. إنّ التغيير يبدأ من الصورة، والصورة تبدأ من الإعلام، حين تُقدَّم صورة المرأة بصدق وعدل، يصبح الأمل بالمساواة واقعًا لا شعارًا. 

الأكثر قراءة

إيهاب حمادة: اتفاق لبنان و"إسرائيل" سيبقى حبراً على ورق