تعود علاقتي بالحبيب أديب الى الخمسينات من القرن الماضي.
ثم توطّدت في السبعينات، بعد انقطاع قسريّ في الستينات.
وقد توطّدت علاقتي به لسبب أساس يعود إلى الخصائص الإنسانية التي عرفتها فيه.
لم يكن الحبيب أديب يملك ثروة مادية ولا ثروة علمية بالمعنى المتعارف عليه. كان يمتلك ثروة من نوع آخر، ثروة مميّزة لا محدودة، هي ثروته الإنسانية.
كانت ثروته هذه ثابتة وراسخة فيه، وإلى تزايد دائم في تجلّياتها، بالرغم من الصعوبات والمحن التي مرّت بها أمتنا وأصابتنا جميعاً منذ الأربعينات. هذا ما يُثبت فرادة الثروة الإنسانية وتميّزها عن بقية الثروات. فهي الثروة الوحيدة التي تزداد كلما أُنفق منها. تزداد عند صاحبها كلما أعطى من نفسه، وتزداد وتنتشر في محيطها، لا سيما عند الذين يتلقّون هذا العطاء، فيزداد عطاؤهم هم للآخرين.
وقد تعززت هذه الثروة الإنسانية عند الحبيب أديب بثروة المعرفة.
أقول ثروة المعرفة لا المعارف.
ثروة المعرفة وجوهرها النوعيّ، لا المعارف وحجمها الكمّي.
ولعلّ أفظع ما نعانيه في القرن الحادي والعشرين هو الصعود الهائل اللامتناهي في ثورة المعارف، والهبوط الهائل واللامتناهي في ثورة المعرفة. وهو الصعود الهائل في ثورة الوسائل، وعلى رأسها الوسائل التدميرية وقدراتها اللامحدودة، والهبوط الهائل في الوعي والمسؤولية عن حسن استخدام هذه الوسائل، والردع عن استخدامها للقتل والتدمير حتى إفناء "الآخر" وفناء الذات.
والأخطر في كل هذا أنهم يدّعون أنّ هذا الوضع القائم الخطر هو الخيار الوحيد لنا الآن. يدّعون أنّ الحرب هي سنّة الحياة، وأنها واقع التاريخ منذ فجر التاريخ. وفجر التاريخ الحيّ في نفوسهم والراسخ في معتقداتهم هو ما يسمّونه العصر الكلاسيكيّ الأول، العصر اليهوهي -اليوناني - الروماني، بعد منتصف الألف الأول قبل الميلاد.
وقد أورثنا هذا العصر ثقافة لاإنسانية كاذبة باتت، للأسف، من المسلّمات، وما زالت تحكم المفاهيم والقيم والمعتقدات السائدة في القرن الحادي والعشرين. كانت مسلمات خاطئة ومسيئة وذات عواقب محدودة في الماضي، فصارت خطراً وجودياً في القرن الحادي والعشرين. أهمّ هذه المسلّمات أربع:
- قدسية مؤسسة الحرب، التي عرفنا أهمّ رموزها في إسبارطا والإسكندر.
- قدسية السلطة لا العلاقات، وقد تمثلت في التا ريخ الروماني والتاريخ الغربي الحديث، نقلها الغرب الى دول العالم فصارت سائدة.
- عقيدة شعب الله المختار الآتية إلينا من اسبارطا في اليونان ولا علاقة لها بتاريخنا وثقافتنا.
- مسلّمة بدء التاريخ في العصر "الكلاسيكي" اليوناني وكأنّ كل ما سبقه هو ما قبل التاريخ.
هذا هو الدليل الأول والأخير في الثقافة الراهنة، الغالبة في الغرب ومنه في العالم.
إنه دليل كاذب من أوله إلى آخره. بات يشكّل خطراً وجودياً على الإنسانية جمعاء في القرن الحادي والعشرين كما قلنا. وأعود فأقول إن شرّ ما فيه وأخطر ما فيه هو المسلّمة السائدة والقائلة إنه الخيار الوحيد.
هنا نصل إلى جوهر موضوعنا: يجب أن يعرف العالم أنّ ما هو قائم ليس خياراً وحيداُ بل هو أسوأ الخيارات. فالخيار الصحيح الذي كان في أساس نشوء الحضارة، وارتقائها، وتعميمها، وديمومتها، هو العلاقات لا الحروب، والعلاقات التكاملية تحديداً، حيث يغلب مفهوم "الآخر" الشريك لا "الاخر" العدو، وهو هو الخيار الوحيد الصالح لإنقاذ الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
وهنا أعود إلى ما قلته في الحبيب أديب وثروته الإنسانية. هي ثروة لم تأت من العدم. إنها من تراث أمتنا، بل هي جوهر تراثنا منذ بدء تاريخنا. ثم صارت جوهر التراث الإنساني منذ أنشأنا العالم القديم في الألف السابع قبل الميلاد. فالحبيب أديب هو نموذج حيّ عن هذا التراث، حيث كانت العلاقات، لا الحروب، هي بدء التاريخ والحضارة وجوهرهما الحيّ.
من الألف السابع حتى منتصف الألف الأول قبل الميلاد، خرج مجتمعنا بنفسه إلى العالم لا بجيشه. وعلى امتداد هذا المسار التاريخى الطويل، لم يقم شعبنا بحرب واحدة، إلا مرة واحدة إذ خرج الأشوريون إلى مصر لأنّ الفراعنة لم يرتدعوا عن تحويل وطننا إلى ساحة حرب لهم مع الآخرين. خرجنا مرة واحدة للحرب لمنع الحرب على أرضنا.
خروج مجتمعنا بنفسه إلى العالم، من دون جيوش، هو ما أدّى إلى إنتشار الحضارة في القارّات الثلاث، وارتقائها وديمومتها.
وهنا نؤكّد من جديد على العلاقات: فعلاقاتنا الإنشائية والتكاملية مع "الآخر" في تلك القارّات الثلاث هي في أساس صعود الحضارة وانتشارها، لا الجيوش والحروب.
و "الآخر"، كل "آخر"، عندنا وفي كل العالم القديم الذي أنشأناه، كان، في مفهومنا له، وموقفنا منه، ومسلكنا معه، شريكاً لا عدوّاً. هذا "الآخر" الشريك، المختلف عنا في كل شيء، كنا نتكامل معه. فتمثلت العلاقات بفضيلة التكامل لا بجنون "الكمال".
إننا لا نعود إلى هذا الماضي لأجل الافتخار به. بل نعود إليه من أجل أمن الإنسانية في الحاضر والمستقبل بدءاً من عندنا.
يجب أن يعرف العالم أنّ ما يحدث عندنا، في فلسطين ولبنان والشام والعراق، هو النموذج الأول لما سيصيبهم في العالم.
يجب أن يعرف العالم أنّ ما هو قائم هو أسوأ الخيارات. وأنّ الخيار المنقذ الوحيد هو الخيار النقيض للخيار القائم. ولعلّ الخيار الذي كان في اساس نشوء الحضارة الإنسانية بدءاً من عندنا منذ آلاف السنين، هو الخيار الوحيد الصالح لإنقاذ الإنسانية في القرن الحادي العشرين. في البدء كانت العلاقات التكاملية، وهي وحدها تنقذنا من النهاية المفجعة.
وفي الختام، أعود إلى فقيدنا الغالي، فأقول لعائلته الحبيبة ولجميع أقربائه وأصدقائه، وأقول لنفسي معهم، إنّ أمراً واحداُ يُنعش روح فقيدنا الغالي، هو أن نكون أوفياء للقيم الإنسانية العالية التي وهبها حياته.
كلمة رثاء ألقاها الأشقر في الراحل أديب أبوجوده في الزلقا
*الكاتب الأمين يوسف الأشقر هو أحد أعلام الفكر القومي والأدب الإنساني في لبنان والعالم العربي، جمع بين عمق الفكرة ورهافة الحسّ، فكان مفكّرًا ملتزمًا بالإنسان، ومناضلًا مؤمنًا بالعقل والحقيقة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
07:47
حرس الثورة: دمرنا في القاعدة مراكز مهمة لإصلاح وصيانة المروحيات ومنشأة طائرات الاستطلاع الإلكترونية من طراز P-8 ومركز قيادة وتحكم الطائرات بدون طيار التابع للجيش الأمريكي
-
07:46
حرس الثورة: قواتنا دمروا بالكامل مخازن الوقود ومنظومة الدفاع الجوي "باتريوت" في قاعدة "علي السالم" الأميركية في الكويت بالإضافة إلى تدمير منظومة رادار استراتيجية من طراز "FPS" في قاعدة "أحمد الجابر"
-
07:45
معاريف": الولايات المتحدة تختار عدم استهداف أهداف قد تدفع الإيرانيين إلى رد غير متناسب وهذا مؤسف
-
07:18
الحرس الثوري الإيراني: استهدفنا بالصواريخ والمسيرات قاعدة أحمد الجابر بالكويت وقاعدة الأمير حسن الجوية في #الأردن
-
07:18
الحرس الثوري الإيراني: استهدفنا قاعدة الشيخ عيسى الأمريكية في #البحرين
-
07:17
القيادة المركزية الأمريكية: مضيق هرمز ممر بحري حيوي للتجارة الدولية وإيران لا تسيطر عليه
