تجربتي مع قراءة روايات محمد سعيد أحجيوج تشبه تجربة والدي عندما قرأ رواية "رجال في الشمس" لغسان كنفاني، فقد بدأها من صفحتها الأخيرة وعبارة "لماذا لم تدقّوا جدران الخزان"، وأخذ يعود بفصولها من آخرها إلى أولها، وأخبرني حينها أنه شعر بمتعة في ملاحقة الشخصيات العكسية، أظنّ لأنه لم يشعر بها أحد غيره، ومع روايات محمد سعيد أحجيوج القصيرة، بدأت مع نوفيلا "كهف الألواح" ومن ثمّ "متاهة الأوهام"، ومن بعدهما "أحجية إدمون عَمران المالح" (دار نوفل 2020)، أي أنني قرأت الروايات الثلاث من الأخيرة إلى الأولى الصادرة عن دار نوفل!
"كهف الألواح" وهي النوفيلا الأخيرة التي صدرت حتى كتابة هذا المقال، وأقول إنها الأكثر حِرفيّة ووضوحًا في مسار التجربة وعمقًا في سبر دواخل الإنسان، أما اللغة والأسلوب فهما كأنهما لنصّ واحد، فالكاتب متمكن وواثق الخطى عندما يرتبط الأمر بلغته وأسلوبه.
وبالعودة إلى "أحجية إدمون عَمران المالح"، وهي التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني بدورتها الأولى 2022، أقول إنها تجربة فريدة وجوهرة نادرة، وهنا لا أريد الخوض في التجريب الذي اعتمده الروائي في إدخالنا عوالم متداخلة ومتشعبة تنقلنا من حال إلى أخرى، ومن زمان إلى آخر، ومن مكان إلى غيره، بشكل عشوائي أحيانًا من جهة المتلقي، مدروس بدقة من كاتبه، وهي بالفعل من الأساليب التي أُحبّ وتفضّلها ذائقتي القرائية على غيرها، وإنني بالفعل أعتمدها عندما أكتب روايتي الخاصة، وهذا التجريب، وعلى الرغم من فرادته وجماليته، سأتغاضى عنه لأتحدث عن أمر مختلف.
إحجيوج صاحب قضية واضحة وصريحة، لا يحيد عنها مهما حاول، وهو في روايته لم يحاول أن يحيد كما فعل في "كهف الألواح" ولم يستطع، قضيته هي يهود المغرب، وفلسطين، وأقول إن فلسطين قضية هذا الكاتب المغربي المعاصر، يدافع عنها وعن سرديتها بشكل مختلف ومغاير، ولا يترك مجالًا للشكّ بمدى صوابية البوصلة، وهو لو كتب نصوصه بعد الحرب الأخيرة، لقلت إنه تأثر بالموجة أو الموضة، أو تأثّر عن صدق التجربة الفكرية أو الشعورية، ولكنه حمل القضية على ظهره منذ زمن طويل.
تطرح الرواية أسئلة كبيرة تتعلق بالهولوكوست، وبالأسئلة الممنوعة، والمحرمة حولها، وهو يكشف بعض الزِّيف من خلال قصة شخصية فرانز غولدشتاين في الرواية، ومن خلال العودة إلى قصة غرق السفينة "إيجوز" حيث يطرق أبواب أسئلة حول إمكانية أن يكون الموساد قد قام بها، إحجيوج يأخذنا مع عَمران إلى طفولته وقراراته بالانتقال إلى أرض إسرائيل وما لاقاه هناك من صدمات، وهو الذي تعود إليه "ميمونة" دائمًا، بصرف النظر عن حقيقة تلك العودة، بالهلوسات أو الأحلام أو الواقع، فنحن في جميع الأحوال أمام نصّ متخيَّل، ومع هذه وتلك، نجد أحجيوج الذي يسير عكس التيار، يطرح قضايا الأدب، والرواية على وجه التحصيص، وما يشوب الجوائز، العالمية، من علامات استفهام تُطرح حولها، وما أصبح هو نفسه، الكاتب الرافض، يطرحه حول الجوائز في العالم العربي، فتأتي روايته هذه معبّرة عنه شخصيًّا، فكأنه هو من أخذ الموقف عن عَمران، ولم يسمح للرواية التي طُلِب منه أن يمررها للقائمة القصيرة ولم يفعل، فوقعت فوق رأسه كل المصائب التي تلت...
التزام احجيوج ليس ذلك الالتزام الذي يمكن تصنيفه بسهولة، أو ذلك الذي ينتمي إلى فئة أو طائفة أو عرق أو تيّار، بل التزام بمبادئه الخاصة أولًا، والتزام تجاه تجربته ونصوصه، والتزام تجاه القارئ، المتلقي، العربي والغربي، بأنّ قرر أن يخوض غمار تجربة الأدب، الروائي، والتزم خطًّا وخطة، وها هو يحصد نتائج التزامه، فكأنه داخل الأحجية، وكأن "عيسى العبدي" هو المقصود، وهو الذي يريد أن يُخرجه الكاتب من توقعاته حول نفسه، فكانت هذه الرواية.
قبل أن أنهي أقول إن الكاتب لم يستطع تقديم نصه لو لم يكن مطّلعًا متعمّقًا على علم النفس، فالتداعي الحرّ كان أساسًا، ليس في أسلوب الكتابة، فحسب، بل كان مسيِّرًا لكل ما قرأناه حول عَمران باختياره، وهو المطّلع على التاريخ والسياسة، وهو الملتزم بقضايا، حاد كثيرون عنها، لأنها خارج السائد وخارج "الموضة".
"أحجية إدمون عَمران المالح" نصّ فريد وجدّيّ، يعكس تجربة أو "حالة" فريدة في الرواية العربية المعاصرة، لكاتب متفرّد، مواظب وواضح الرؤية حول ما يريده من تجربته، والمهم في حال إحجيوج، أنه ما زال يراه تجربة، وما زال يرى الطريق أمامه بعيدة الوصول، وهو ما يميّز الكاتب، كي يسعى دائمًا نحو التجريب، لا أن يقول ويردد مع "الهاتفين الوهميين"، لقد وصلت.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:05
تعادل سلبي بين منتخب إيران وبلجيكا ضمن منافسات كأس العالم
-
23:35
كسيوس عن دبلوماسي أميركي: مناقشات الفرق الفنية ستستمر ومن المرجح أن تبقى في سويسرا لمواصلة عملها
-
23:33
أكسيوس عن دبلوماسي أميركي: المحادثات على المستوى السياسي الرفيع من المتوقع أن تنتهي الاثنين
-
23:33
الداخلية القطرية: الحادث بمصنع في رأس لفان نتج عن عطل فني وأسفر عن إصابات دون وقوع تسريب يشكل خطرا على السلامة
-
23:32
أكسيوس عن دبلوماسي أميركي: الأطراف الأربعة جميعها راضية عن الطريقة التي سارت بها المحادثات
-
23:32
أكسيوس عن دبلوماسي أميركي: نشعر أن الجولة الأولى من المحادثات تضع الأسس اللازمة لبناء الثقة في المرحلة المقبلة
