اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مع اقتراب لبنان من إعادة صياغة ترتيباته الأمنية، تعود أسئلة النفوذ والدور إلى الواجهة: من سيشارك في رسم المعادلة الجديدة؟ ومن يمتلك القدرة على التأثير في تثبيت الاستقرار؟ وبينما يتركّز الاهتمام عادة على الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج، تبرز تركيا كطرف يستحق المتابعة، ليس بسبب إعلانها مشروعا أمنيا واضحا في لبنان، بل بفعل موقعها الجيوسياسي، وعلاقاتها مع القوى الغربية، وحضورها الإقليمي المتنامي.

حتى الآن، لا توجد مبادرة تركية رسمية تتحدث عن إرسال قوات إلى جنوب لبنان أو تولّي قيادة قوة متعدّدة الجنسيات، كما لم تعلن أنقرة أي توجه لتعديل دور قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).إلّا أنّ قراءة السياسة التركية في شرق المتوسط تُظهر أنّ لبنان لا يُنظر إليه بمعزل عن التحوّلات الإقليمية، بل كجزء من منظومة أمنية وسياسية تمتد من سورية إلى شرق المتوسط.

لذلك، يبرز الدور التركي المحتمل باعتباره انعكاسًا لطموح أنقرة في توسيع حضورها في معادلات الأمن الإقليمي. وتنطلق المقاربة التركية، وفق مصادر سياسية مطلعة، من اعتبار استقرار لبنان مصلحة استراتيجية تتجاوز حدوده، إذ إنّ التدهور الأمني ينعكس على سورية، ويؤثر في طرق التجارة والطاقة في شرق المتوسط، ويزيد الضغوط على أوروبا في ملفات الهجرة والأمن.

ومن هذا المنطلق، تسعى أنقرة إلى تكريس نفسها شريكا في إدارة أزمات المنطقة، مستفيدة من موقعها داخل حلف شمال الأطلسي، ومن علاقاتها مع واشنطن والعواصم الأوروبية، إضافة إلى حضورها في العالم العربي. لكن هذا الطموح لا يعني استعدادا للتحرّك منفردة. فالسياسة التركية تعتمد خلال السنوات الأخيرة على العمل ضمن أطر شرعية ومتعددة الأطراف، سواء عبر الأمم المتحدة أو من خلال التفاهمات الدولية والإقليمية.

لذلك، فإنّ أي دور تركي محتمل في جنوب لبنان، على ما تشير المصادر، يبقى مرتبطا بشروط أساسية، أبرزها طلب رسمي من الدولة اللبنانية، وغطاء قانوني دولي، وتوافق بين القوى المعنية. وبذلك، تبدو أنقرة أقرب إلى دعم ترتيبات أمنية دولية والمشاركة فيها، لا إلى طرح مبادرة مستقلة.

وفي حال توافرت هذه الشروط، فإنّ الدور التركي المرجح، بحسب المصادر، لن يكون قتاليا بقدر ما سيكون مؤسساتيا، عبر توسيع برامج تدريب الجيش اللبناني، والمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضرّرة، وتقديم دعم لوجستي وتقني، وربما المشاركة في ترتيبات أمنية متعددة الجنسيات إذا تطوّرت آليات دولية جديدة لحماية الاستقرار على الحدود. ويأتي أي انخراط تركي محتمل ضمن سياق إقليمي أوسع تشهده المنطقة بعد مسارات التهدئة والتفاهمات، ما يجعل هذا الدور مرتبطا بالاحتياجات اللبنانية وبموازين القوى والترتيبات الأمنية الجديدة.

كما أنّ مساهمة تركيا إلى جانب السعودية ومصر وباكستان وقطر في مشاورات إقليمية حول أمن المنطقة، على ما ترى المصادر نفسها، قد تدفعها إلى توظيف موقعها الديبلوماسي وعلاقاتها المتعددة للمساهمة في تثبيت الاستقرار، سواء عبر دعم المؤسسات اللبنانية أو ضمن ترتيبات لاحقة. غير أنّ أي دور تركي سيبقى محكوما بحساسية التوازنات الدولية، وفق المصادر، ولا سيما الدور الأميركي والأوروبي، والموقع التاريخي لفرنسا، وطبيعة العلاقة مع الأمم المتحدة والدولة اللبنانية.

من هنا، تبدو أنقرة أقرب إلى تقديم نفسها شريكا داعما للجهد الدولي، لا بديلا عنه. ورغم أنّ الملف اللبناني لم يحتل موقعا متقدّما في قمة حلف الناتو الأخيرة في أنقرة، التي ركّزت على الحرب في أوكرانيا والإنفاق الدفاعي والتهديدات الروسية، إلى جانب ملفات سوريا وغزّة وإيران والعلاقات الدفاعية، فإنّ غياب النقاش العلني حول جنوب لبنان لا يعني، على ما تلفت المصادر، غياب الحسابات التركية. فأنقرة تواصل ترسيخ موقعها كقوة إقليمية تجمع بين عضويتها في الناتو وانفتاحها على الشرق الأوسط وقدرتها على التواصل مع أطراف متباينة.

في المحصلة، لا يبدو أنّ تركيا تتجه اليوم نحو دور عسكري مباشر في جنوب لبنان، لكنها تسعى إلى تعزيز حضورها السياسي بما قد يجعل مشاركتها، إذا طُرحت مستقبلا، خيارا أكثر قبولا لدى بعض العواصم الغربية والإقليمية. وبين الطموح الإقليمي والواقعية الديبلوماسية، تراهن أنقرة على أنّ مستقبل لبنان قد يفتح نافذة جديدة لتعزيز حضورها في شرق المتوسط، ضمن قواعد اللعبة الدولية لا خارجها.

الأكثر قراءة

أجــواء ضـبـابـيــة قـــبل مـفـاوضــات رومــــا جلسة تشريعية الأسبوع المقبل: زيادة الرواتب وإلغاء الإعدام والعفو العام