اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


في أجواء استثنائية تنبض بالفن والثقافة، احتفلت جامعة الحكمة بيوبيل تأسيسها المئة والخمسين في متحف سرسق، في أمسية موسيقية ساحرة جمعت بين عبق التاريخ وروعة الإبداع، حيث تلاقى الإيمان بالعلم، والتقاليد بالحداثة، في سيمفونية واحدة من الوحدة في التعددية والانفتاح الثقافي. هذه الأمسية لم تكن مجرد احتفال، بل كانت رحلة فنية وإنسانية عبر الزمن، تألقت فيها المواهب اللبنانية وارتفعت أصوات الموسيقى الكلاسيكية والتراثية لتعكس رسالة الجامعة في الرقيّ بالفكر وخدمة الإنسان، وسط حضور مميز من كبار الشخصيات الدينية والسياسية والثقافية والأكاديمية.

تألقت الأمسية بمشاركة أوركسترا سيدة اللويزة بقيادة المايسترو لبنان البعلبكي، والأداء المنفرد للتينور اللبناني إيليا فرنسيس في الفقرة الأجنبية، إضافة إلى مساهمة خاصة للفنان المسرحي رفعت طربيه الذي قدّم أداء شعريًا متميزًا لنشيد الجامعة، قبل الانتقال إلى الفقرة العربية التي أدتها كورال سيدة اللويزة، والتي شهدت أيضًا كلمة تكريم للفنان اللبناني الراحل زياد الرحباني من قبل المايسترو بعلبكي، في لحظة عبّرت عن عمق الإرث الموسيقي اللبناني وروح الإبداع الوطني.

حضر الاحتفال كبار الشخصيات الأكاديمية والدينية والسياسية والقضائية، من بينهم وليّ الجامعة راعي أبرشية بيروت للموارنة المطران بولس عبد الساتر، ورئيس الجامعة البروفسور جورج نعمة، ووزير التنمية الإدارية الدكتور فادي مكي، والنائب الأسقفي لشؤون القطاعات المونسنيور بيار أبي صالح، والرئيسات العامات للرهبانيات المختلفة، مثل الأم نزهة الخوري من راهبات الأنطونيّات، والأم ماري أنطوانيت سعادة من جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، والأم برناديت رحيم من رهبانية قلبي يسوع ومريم، بالإضافة إلى ممثل رئيس الرهبانية الأنطونية الأب ابراهيم بو راجل.

كما حضر رئيس جامعة سيدة اللويزة الأب الدكتور بشارة الخوري، ورئيس الجامعة الأنطونية الأب الدكتور ميشال الصغبيني، وأمين عام المدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر، والنائب سيزار أبي خليل ممثلا رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، والنائب أنطوان حبشي ممثلا رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، والنواب نيكولا صحناوي، ملحم خلف، مارك ضو، ورئيس التفتيش المركزي القاضي جورج عطية، ومحافظ بيروت القاضي مروان عبود، ورئيس بلدية بيروت ابراهيم زيدان، والمدير العام لوزارة التربية الدكتور فادي يرق، ورئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء الدكتورة هيام إسحق، ونقابيو المهن المختلفة من المحامين والصيادلة والمعالجين الفيزيائيين وتقنيي الأشعة، بالإضافة إلى سفراء وديبلوماسيين من دول عربية وأجنبية، وممثلين عن قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية، وشخصيات قضائية وقانونية وإعلامية وتربوية، فضلاً عن شركاء الجامعة وعائلتها وحشد من الأصدقاء ومتذوقي الموسيقى.

وافتتح رئيس الجامعة البروفسور جورج نعمة كلمته قائلاً إنه "يشرفني ويغمرني الفرح أن أرحّب بكم هذا المساء في هذه الأمسية السيمفونية الاستثنائية التي نحتفل من خلالها بمرور مئةٍ وخمسين عامًا على مسيرة جامعة الحكمة."

وأشار إلى أنّ الجامعة، التي تأسست عام 1875 على يد المطران يوسف الدبس، كانت ثمرة رؤية جريئة ومضيئة تهدف إلى إنشاء صرح أكاديمي متجذر في الإيمان، منفتح على الثقافة، ومكرس لخدمة الإنسان، مضيفاً أننا "اليوم، ونحن مجتمعون حول وليّ الجامعة، المطران بولس عبد الساتر، نحتفل بقرن ونصف من التاريخ والنجاح والالتزام في خدمة لبنان والعالم. منذ انطلاقتها، ما برحت جامعة الحكمة تسعى إلى ترسيخ رسالتها في التعليم والبحث العلمي والانخراط المجتمعي، فكانت وما زالت منبرًا لتكوين الإنسان المتكامل، حيث يلتقي العلم بالضمير والفكر بالمسؤولية."

وأكد البروفسور نعمة أن القيم التي تقوم عليها الجامعة تعكس التزامًا دائمًا بنشر المعرفة الحرة والناقدة والمرتكزة إلى الإنسان، وهي القيم التي تلهم الأساتذة والباحثين والطلاب في سعيهم إلى العمل بنزاهة واحترام. وأوضح أن جامعة الحكمة بيئة منفتحة على التعدد والاختلاف، ومساحة للحوار بين الثقافات، حيث يُعتبر التنوع غنى يزيد المجتمع ثراءً لا انقسامًا، مؤكدًا على أن الموسيقى توحد الحضور بلغة عالمية من الانسجام والوحدة.

وأضاف أنه "كما قال جبران خليل جبران: 'الموسيقى لغة الروح". وأي روح أسمى من تلك التي تحرّك مؤسستنا الأكاديمية، المكرّسة للمعرفة والكرامة الإنسانية؟"

وأشار إلى أن كل آلة موسيقية تساهم بصوتها الخاص، لكنها حين تجتمع تنتج سيمفونية متكاملة، مشبهًا ذلك بجامعة الحكمة التي تضم مواهب وتخصصات وثقافات متنوعة، لكنها تتحد تحت هدف واحد هو محبة الفكر، والسعي إلى الحقيقة، وخدمة الإنسان.

وأضاف أنه "في عالم يتسم بالانقسام والنزاعات، تذكّرنا الجامعة كما الموسيقى بحقيقة واحدة: الانسجام لا يُبنى إلا بالاستماع للآخر، واحترام الاختلاف، والبحث عن التوازن بين الأصوات."

وختم كلمته بالشكر لإدارة متحف سرسق على تعاونها، والفنانين المشاركين بقيادة الأوركسترا على إثراء الأمسية، مؤكدًا أن الاحتفال يشكل فرصة للتذكير برسالة الجامعة في خدمة الإنسان وتعزيز المعرفة والكرامة.

وبدأ الحفل بمداخلة المايسترو لبنان البعلبكي الذي رحّب بالحضور وأشاد دور كورال سيدة اللويزة الذي رافق الحفلات في لبنان وخارجه وقدم إنجازات فنية رائعة في مختلف المناسبات، سواء بالعربية أو الأجنبية، تحت إدارة الأب خليل رحمة، معبّرًا عن تقديره لجامعة الحكمة على شرف الاحتفال معها بيوبيلها الـ 150، مؤكدًا على مساهمة الجامعة في تكوين نخبة من اللبنانيين الذين يعكسون صورة مشرقة عن التعليم اللبناني من خلال إنجازاتهم ومساهماتهم المستمرة. وأوضح أن البرنامج الموسيقي شمل مزيجًا من الأعمال الكلاسيكية والأغاني والموسيقى اللبنانية الأصيلة، داعيًا الحضور للتفاعل مع الموسيقى لتعزيز الأداء وإضفاء البهجة على أجواء الاحتفال، مرحبًا بالتينور إيليا فرنسيس الذي قدّم مجموعة من الأغاني بصوته الرائع في الفقرة الأجنبية، تلاه مباشرة الفنان رفعت طربيه الذي ألقى نشيد الجامعة، قبل الانتقال إلى الفقرة العربية التي أدتها كورال سيدة اللويزة، حيث خصّص البعلبكي كلمة شكر وتكريم للفنان اللبناني الراحل زياد الرحباني، قائلاً إنه "من خلال الموسيقى تعلمنا الكثير من شخص عبقري بالموسيقى وبالكلام، وحتى بالموقف الصدامي اللي كان ضد الحرب وضد الفساد الاجتماعي. فتحية هائلة لزياد منا نحن كموسيقيين، وشكر كبير للإرث الموسيقى الهائل الذي تركه لنا، والذي نكتشفه يوماً بعد يوم". 

بعد ذلك، عزفت أوركسترا سيدة اللويزة بقيادة البعلبكي مزيجًا من المقطوعات الكلاسيكية والألحان اللبنانية الأصيلة التي تعكس تاريخ لبنان ومحبة الوطن، مؤكدًا الانسجام بين المواهب المختلفة كما يجمع الطلاب والأساتذة في الجامعة تحت هدف واحد هو السعي إلى الحقيقة وخدمة الإنسان.

وفي أجواء من الهيبة والجمال، اختتمت الأمسية الموسيقية التي استمرت لمدة ساعة ونصف، تاركة لدى الحضور شعورًا بالفخر والانتماء، وتعزيزًا لقيم الجامعة في نشر المعرفة والكرامة الإنسانية، مع رسالة قوية عن دور الثقافة والفن في ربط الناس بالقيم الوطنية والإنسانية.

 

الأكثر قراءة

ليلة القبض على دونالد ترامب