اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في لحظة تخلٍّ، تقع الجريمة بغض النظر عن مدى خطورتها. سيدة رأت زوجها معانقاً جارته، وبلحظة انفعال، أمسكت طفل جارتها، ورمت به عن الشرفة انتقاماً منها، وهي تقضي أيامها في السجن بعيداً عن أبنائها، وعائلتها، وأهلها، ومجتمعها. يُعامل القانون الحادثة كجريمة، والمُرْتَكِبة كمجرمة، بينما خطؤها آني في لحظة انفعال شديد لا تتعدى الثواني القليلة.

كثيرات مثلها، وأخريات دفعت بهن ظروف الحياة لارتكاب الممنوعات، فإذا بهن في السجن، أسيرات، مجردات من ذواتهن، وحريتهن، فاقدات الأمل في حياة أفضل، وكل ما يحلمن به هو الخروج من السجن غير المعروف مداه، وموعده، خصوصاً أن معظمهن لم يخضعن للمحاكمة رغم مرور سنوات على اعتقالهن.

يقيّض لهؤلاء السجينات من يتحسّس بآلامهن، ويحاولن تقديم مساعدة لهن، ومن المبادرات من تسعى لمساعدتهن الشفاء من عناصر الجريمة إذا توافرت حقّاً، عن سابق إصرار وتصميم.

في السياق، نظّمت "الجمعية اللبنانية الخيرية للإصلاح والتأهيل"، معرضاً فنياً بعنوان "مهارات خلف القضبان" في مُجَمّع النظارات – قصر العدل القديم في طرابلس شمالي لبنان، بالتعاون مع المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.

فاطمة بدرة، رئيسة الجمعية، أفادت "الميادين الثقافية" أن المعرض هو "نتاج دورتين تدريبيتين أقيمتا داخل سجن طرابلس المركزي، شاركت فيهما 30 نزيلة، توزّعن بين دورة في تنسيق وتزيين البالونات، ودورة في الرسم عبّرن من خلالها عن ذواتهن وأحلامهن، بإشراف الفنان عمران ياسين".

المعرض تجربة استثنائية وملهمة، بنظر ياسين، "لما يشكّله من نموذجٍ حيًّ للشرْكة الفاعلة، والدعم الحقيقي الذي قدّمته المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي للجمعية، ما أتاح بيئة داعمة فتحت للنزيلات نافذة على الأمل والإبداع"، كما قال.

من جهتها، نوهت بدرة بتأليف إحدى النزيلات، كما تؤثر تسميتها، كتابين من داخل السجن هما: "دار السلام" و"رياض السجناء" اللذين جرى توقيعهما داخل السجن، وفي نقابة المحامين في طرابلس، مع الإعلان عن التحضير لإصدار الكتاب الثالث قريباً.

يثير المعرض، وتأليف الكتب داخل السجن، إشكاليّة مفهوم الجريمة المتجرِّد من البعد الانساني، كما تَعاطي السلطات الأمنية والقضائية مع السجينات والسجناء، بروح "انتقامية" من شأنها تكريس نزعة الجريمة في نفس المرتكب.

بدرة التي رافقت السجينات مراراً عبر مساهمات جمعيتها في مساعدة السجينات، رأت أن اللوحات تحكي معاناة كل سجينة، وما تشعر به بعد وقوع مشكلتها، إضافة إلى ما آلت إليه الأمور لدى السجينة بعد مرور وقت طويل على مكوثها في السجن، وتتجلى حالاتهن فيما رسمنه من لوحات بعد تدريبهن على الرسم، وفنون التشكيل الأخرى، وقالت: "كل ما في دواخلهن، وضعنه على اللوحات".

هكذا رسمت سجينة سيدة مُصَفّدة تمد يديها للقاضي كأنها تطالبه بمحاكمتها، أو إطلاق سراحها، ولوحة رفعت شعار السلام، ومنهن من عبّرن عن الندم الذي يرافق كل سجين بعد فعلته.

ثم لوحة أخرى جسّدت نافذةً مفتوحةً على الحرية، وتحتها زهرة الحلم، وكذلك لوحة رمزية، رسمت فيها إحداهن رأساً مغروساً بشمعة مضيئة، هل هي الهداية؟ ربما... وأخرى لطائر فتح باب القفص، وانطلق نحو حريته مع شعار "من لا يملك الحرية لا يملك شيئاً" وتحتها لوحة ليد تكتب: "لكل إنسان الحق بمستقبل جديد"، أي إنها تتضمن مطالبة بإعطائها فرصة أخرى للحياة.

ثمة لوحة لطفلة تمسك بثوب أمها (السجينة افتراضاً) تقول لها: "أنا معك كل شيء.. أنا بدونك لا شيء"، وهي مطالبة بإعادة الأمهات السجينات إلى منازلهن وأبنائهن.

ثم لوحة ترسم يدين غارقتين في مياه البحر، رافعة شعار: "ما خاب من قال يا رب".

شعار السلام، ولوحة درب مؤدية إلى المنزل، تعبير عن توق للحرية، والالتحاق بالعائلة والاهل، وسجينة تتلوى ألماً من خلف القضبان، وهي تشاهد ولدَين يلعبان بحريّة، هل تجد فيهما حريتها، أم ترى فيها أبناءها؟ والتفسير مفتوح.

ترافقت عروض اللوحات مع تنسيق بالونات ملوّنة تدربت السجينات على تقنيتها على يد اختصاصية فنية، بحسب بدرة. كذلك، ترى بدرة أن "التجربة هذه رسّخت قيم التمكين الإنساني والإصلاح داخل السجون".

يذكر أن "الجمعية اللبنانية الخيرية للإصلاح والتأهيل" تأسست عام 2005، ورسالتها تعزيز الإصلاح وبناء قدرات الأفراد من خلال التعليم والتدريب، والتمكين الاقتصادي المهني، بهدف إعادة دمج السجناء في المجتمع بعد خروجهم منه.

الأكثر قراءة

السعودية تنتقل من النأي بالنفس الى المواجهة بري مغادرا بعبدا: منيحة وما حدن يسألني اكتر