لم تعد الأجهزة الذكية في حياة الأطفال، مجرد وسيلة للتسلية وتمضية الوقت، بل تحولت إلى رفيق يومي وشريك دائم في التعلم والتواصل، وحتى في تشكيل الشخصية والخيال. ومع تغلغل تقنيات الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية، تتنامى أزمة خفيّة بصمت تلوح خلف الشاشات، تهدد بتآكل القدرات الذهنية والمهارات الاجتماعية لدى جيل يعيش أكثر في العوالم الافتراضية منه في الواقع.
فالهواتف لم تعد «ألعابا صغيرة» في يد الطفل، بل بوابات مفتوحة على محتوى متشابك، يختلط فيه التعليمي بالترفيهي، والمفيد بالضار، حتى بات من الصعب التمييز بين «التعلم الرقمي» و"الإدمان الإلكتروني». هذا الانفتاح المذهل على التكنولوجيا يقابله خطر واضح بإنتاج طفولة افتراضية مبهرة، بقدر ما هي مقلقة، تهدد بإضعاف مهارات التركيز والحوار والتفاعل الإنساني الحقيقي.
الانشغال بالشاشات تجعل
الطفل أكثر قلقاً وعصبية
تقول المستشارة التربوية والنفسية في جمعية «إثراء لبنان» سمر رحمة لـ"الديار»: «في زمن باتت فيه التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من يومياتنا، لم يعد ممكناً أن نحرم أبناءنا من العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي، فنحن لم نعد في العصر الحجري، بل في زمن يتنفس معلومات وسرعة وشاشات. غير أن هذا الانفتاح الواسع يحمل وجهاً آخر لا يمكن تجاهله، إذ تبين أن الاستخدام المفرط للأجهزة، يؤثر سلباً على القدرات الذهنية والإبداعية للأطفال، ويبدل سلوكهم بشكل لافت".
وتوضح أنّ «كثرة الانشغال بالشاشات تجعل الطفل أكثر قلقاً وعصبية، وتدفع دماغه إلى العمل بسرعة تفوق طاقته الطبيعية، فيصبح قليل الصبر، يريد كل شيء فوراً، غير قادر على الانتظار أو التأمل. ومع الوقت يفقد مهارة التركيز والقدرة على التفكير الهادئ، بينما يعرف المربون أن «الملل» ضروري لنمو الإبداع، لأن الطفل حين يمل يبدأ بالتفكير والتخيل وابتكار الحلول، فينضج حسه الابتكاري ، الذي يساعده لاحقاً على التعامل مع المشكلات بثقة وهدوء".
دراسة حديثة لجامعة هارفارد (2024)، اشارت إلى إن «الانخراط المبكر والمطول مع الأنظمة الذكية يقلص من قدرة الدماغ على بناء أنماط تفكير نقدي مستقل، إذ يتعلم الطفل أن يجد الإجابات الجاهزة من الآلة، بدل البحث عنها أو تخيلها».
بدورها حذر منظمة «اليونيسف» من أن الاستخدام المفرط للأجهزة الذكية في الأعوام الأولى من العمر «يرتبط بتأخر لغوي وضعف في الانتباه، وتراجع في القدرات الإبداعية، خصوصا عندما لا يرافقه إشراف مباشر من الأهل أو المدرسة».
ماذا تفعل الشاشات بالدماغ؟
وتضيف رحمة «من هنا، تقع المسؤولية الكبرى على الأهل في توعية أولادهم، وعليهم أن يشرحوا لهم بطرق تناسب أعمارهم ماذا تفعل الشاشات بالدماغ، وأن يشاهدوا معهم أفلاماً توعوية قصيرة توضح أثر الإفراط في استخدام الهاتف، كما يجب تحديد وقت واضح لاستخدام الأجهزة، مع وضع نتائج واضحة في حال عدم الالتزام، كحرمانٍ مؤقت من الهاتف» وتشدد على «ضرورة تعليمهم ضبط الذات، ليتمكن الطفل من التحكم بوقته من دون أن يشعر أنه مراقب أو مقيد".
وترى أنّ «الحماية لا تقتصر على الجانب الزمني، بل تمتد إلى الجانب الأمني والرقمي»، موضحةً أن «الهاتف بات بوابة مفتوحة على عوالم كثيرة، منها ما هو آمن، ومنها ما يشكل خطراً حقيقياً على الأطفال، لذلك يجب أن يرافق الأهل أبناءهم في هذه المرحلة، يعرفوا ما يتابعونه ومع من يتواصلون وما نوع الألعاب والمحتوى الذي يشاهدونه، لأن بعض هذه "العوالم الافتراضية" قد تكون بوابات غير آمنة تؤثر في سلوكهم ونفسيتهم".
وتؤكد أن الرقابة وحدها لا تكفي، بل لا بد من إيجاد بدائل واقعية تغني الطفل عن العالم الافتراضي «بدلاً من أن تكون أوقات الفراغ أمام الهاتف، يمكن تحويلها إلى لحظات عائلية حقيقية المجهود اليوم يجب أن يوجه نحو خلق تقاليد وألعاب تجمع العائلة، يمكن مثلاً تخصيص يومٍ أسبوعي — مساء الجمعة مثلاً — للعب الجماعي أو المشاركة في نشاط عائلي ثابت، لأن هذا يعزز الانتماء ويشعر الطفل أن بيته هو مكان التلاقي والفرح كما من المفيد دعوة أصدقاء الأولاد إلى المنزل أو تشجيعهم على الزيارات المتبادلة والخروج إلى الطبيعة والمشي واستنشاق الهواء، فالتواصل مع الطبيعة يحرر التوتر ويعيد التوازن النفسي".
الطفل فريسة العالم
الرقمي من دون بوصلة
تشير دراسة صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 60% من الأطفال بين 5 و12 عاما يقضون أكثر من ساعتين يوميا أمام الشاشات، وهي نسبة تفوق الحدّ المسموح به.
وفي لبنان، حيث غابت الرقابة الأسرية والمدرسية بفعل الأزمات، تتضاعف المخاطر النفسية والمعرفية، حيث أظهرت دراسة محلية أعدتها الجامعة اللبنانية (2025) أن 72% من الأطفال بين 8 و12 عاما يستخدمون الهواتف يوميا بمعدل 4 إلى 6 ساعات، فيما يقل عدد الذين يمارسون نشاطا جسديا أو فنيا منتظما عن 18%. فالواقع اللبناني يضاعف التحديات نتيجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المستمرة حيث تحولت الشاشات إلى «ملاذ» مجاني للهروب من الواقع.
فالعائلات التي لم تعد تملك القدرة على تسجيل أبنائها في نشاطات ترفيهية أو تعليمية خارجية، وجدت في الهاتف بديلا سهلا وأقل كلفة، فيما تغيب الرقابة المدرسية والمؤسساتية عن الاستخدام التكنولوجي للأطفال. وبين فقر الوقت وفقر الإمكانيات، يترك الجيل الصغير فريسة العالم الرقمي من دون بوصلة، يتعلم منه أكثر مما يتعلم من الحياة، وهكذا، تتحول الطفولة اللبنانية شيئاً فشيئاً إلى طفولة افتراضية في وطن واقعه يزداد افتراضية يوماً بعد يوم.
مهارات العيش في العالم الحقيقي
وتختم رحمة حديثها بالتشديد على «أهمية الإصغاء إلى الذات ، بعد كل نشاط أو نزهة أو لقاء، يجدر بنا أن نجلس مع أبنائنا، ونسألهم كيف شعروا في هذا اليوم، بهذه الطريقة يكتشف الطفل ذاته ومصدر راحته، ويصبح أكثر وعياً بنفسه وبما يحب، بعيداً عن صخب الشاشات وضجيج العالم الرقمي". هكذا فقط، تقول رحمة، «يمكننا أن نوفق بين التكنولوجيا والحياة الطبيعية، بين العصر الحديث واحتياجات الطفولة، فننشئ جيلاً قادراً على استخدام الذكاء الاصطناعي من دون أن يفقد ذكاءه الإنساني".
لا يمكن فصل الأطفال عن التكنولوجيا، لكن يمكن تهذيب العلاقة بها ، فالتوازن هو كلمة السر بين الانفتاح والحماية، بين التعليم الرقمي والاحتكاك الإنساني والذكاء الاصطناعي، قد يمنح الطفل سرعة في الوصول إلى المعلومة، لكنه لا يعلمه كيف يفكر. فالإبداع، كما يرى علماء النفس، لا يولد من الإجابات الجاهزة بل من الأسئلة والطفولة بطبيعتها، مرحلة الأسئلة والاكتشاف، لا مرحلة التلقي السلبي.
في المحصلة، التحدي الحقيقي، يكمن في أن نعلم أبناءنا كيف يعيشون في العالم الافتراضي، من دون أن يفقدوا مهارات العيش في العالم الحقيقي، وكيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي من دون أن يفرطوا بذكائهم الإنساني.
يتم قراءة الآن
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:54
وسائل إعلام إسرائيلية: تعليق اجتماع الكابينت بعد مكالمة نتنياهو وترامب
-
23:53
وسائل إعلام إسرائيلية نقلاً عن وزير في "الكبينيت": الأميركيون يحاولون إنهاء القضية والتوقيع بأسرع وقت على التفاهم مع إيران ومنع رد إيراني
-
23:53
مستشار الرئيس السوري: أميركا اقترحت علينا التدخل في لبنان لكننا لسنا معنيين وندعم بسط الدولة اللبنانية سيطرتها على أراضيها
-
23:51
يديعوت أحرونوت عن مصدر: وزير الدفاع الإسرائيلي يجري اتصالا هاتفيا بوزير الحرب الأميركي
-
23:49
ترامب: اتفاقنا جدار منيع ضد امتلاك إيران سلاحا نوويا وهو النقيض التام لاتفاق أوباما
-
23:41
ترامب: لن تملك إيران أبدًا سلاحًِا نوويًا وسيفتح مضيق هرمز للتجارة قريبًا جدًّا
