منذ ظهور اسم الشيخ نعيم قاسم خلفاً للسيد حسَن نصرالله في الأمانة العامة لحزب الله، والمقارنات لم تهدأ. بعضها جدّي يحاول أن يميز بين هذا وذاك، في ما لهما وما عليهما من الصفات الشخصية والخطابية، وبعضها على سبيل الفذلكة التي يُستنتَج منها أن الفارق بين الرجلين كبير جداً لمصلحة نصرالله!
لا نهتم بالفذلكة لأنها مدفوعةُ النيةِ السيئةِ أو مدفوعةُ الأجْر المادي. علينا بالمقارنة الجدية النابعة من محاولة دراسة منطق الرجلَين وأسلوب كل منها، والميزات التي يتحليان بها.
يجب الاعتراف في البداية أن الكاريزما الاستثنائية والحضور الآسر شكلاً ومنطقاً وخطاباً عند السيد حسن في السنوات الأخيرة قبل الاستشهاد، لم تكن كلها هي نفسها من البداية. فبعد استشهاد السيد عباس الموسوي الذي كان يتميز هو الآخر بكاريزما مؤثرة، وبخطاب وأفكار تحفر في النفس بقوة، وبداية ظهور السيد حسن، كان الجمهور يُجري مقارنات لم تكن لمصلحة السيد حسَن، نظراً إلى العاطفة الشعبية المقترنة يومذاك بالراحل الموسوي. وشيئاً فشيئاً بدأ نصرالله يعوّض الجمهورَ غيابَ الموسوي، إن كان في الثقة بالمقاومة والحفاظ عليها وتطويرها، أو في أسلوب التوجّه إلى اللبنانيين والعرب عموماً، فحلّ نصرالله محلّ الموسوي عبر صفاته الشخصية، واقتناع الناس بقدراته وسياساته ومواجهته عدوّ العرب والمسلمين. وبعد انتصارات عديدة في تحرير٢٠٠٠ ثم في حرب تموز ٢٠٠٦ وبعد ذلك في مرحلة الخمس عشرة سنة التي أوقف فيها السيد حسَن، نتنياهو وحكومته على قدَم واحدة، اكتسب الرجل ذاك البعد الذي لم يعُد عادياً بشرياً، بل اتخذ أحياناً بُعداً غيبياً عند من اعتبره أنجز ما لا يُنجَز إلا مع المبارَكين من ربّهم.
استشهد السيد حسن، فكان السيد هاشم صفي الدين، المُجهّز من قبْلُ لتولي المسؤوليات، وكان مارسَ تنفيذياً خطوات عملية في هذا الاتجاه بإشراف نصرالله في حياته، لكن إسرائيل قتلت صفي الدين أيضاً، فكان الشيخ نعيم قاسم. ومن الخطاب الأول له، بدأت المقارنة التي كان لا بد منها، لا شعورياً، في البداية، ثمّ راحت تتخذ طابعاً هدفه النيل من الشيخ قاسم وإمكاناته، وعمداً في أغلب الحالات.
الشيخ قاسم، يختلف عن السيد نصرالله في أمور كثيرة، ولعل الأبرز في الاختلاف هو النبرة الخطابية (المتصاعدة والمتدنية) عند السيد حسن، حسب متطلبات الموضوع والفكرة المراد قولُها، فهو كان يجيد رفع منسوب التعاطف الانفعالي مع آرائه لدى الجمهور، ويجيد النزول باللهجة إلى خانة تقديم العبرة العقلية. وأتقن المزج الإبداعي بين السياسة بمندرجاتها ، والمبادىء الوطنية والإنسانية، فلم يحدث افتراق بينهما. وغالباً ما كان يمازح الجمهور بفكرة، بطُرفة، بجُملة معترِضة، فينشأ تقارب نفسي بينه وبينهم، فضلاً عن الدقة والموضوعية والالتزام الشرعي في شرحه الأمور، وكلها كانت تدعم صورته بمزايا رجل التاريخ لا رجُل مرحلة زمنية.
الشيخ نعيم قاسم، جلس في موقع الأمانة العامة لحزب الله، من خلفية ثقافية وعلْمية. أغلب محاضراته، قبل استشهاد نصرالله، كانت تثقيفية دينياً واجتماعياً وسياسياً وتربوياً، والمواضيع السياسية التي كانت حاضرة طبعاً كان يقاربُها ليس باللهجة الانفعالية، بل باللهجة التقريرية. هو مُنَظّر إذا حاولنا التدقيق في طريقته. لذلك لا تجوز المفاضلة بينه وبين نصرالله لأن المعطيات والحيثيات عند الشخصين متباينة. وعلى مراحل متسارعة كان الشيخ قاسم يكتسب من تجربة نصرالله في الخطابية والأسلوبية شيئاً كثيراً، تجلّى في تشييع السيد حسَن، وبعض المناسبات التالية التي كان قاسم ينظّم فيها موضوعاته وفقراته بترتيب موضوعي مدروس معروف عنه أصلاً كمحاضر، وكان يردد فيها الجُمَل الثابتة في أذهان الشيعة، بحزم وصيحات تحاكي ما كان يفعل نصرالله تقريباً.
ما أريدُ قوله هو أنه كما أخذَ نصرالله وقتاً بعد استشهاد الموسوي حتى تمكن من إظهار “هويّته” الشخصية في التعبير، فكانت على مستوى عز نظيره، يتعيّن على المستعجلين على الشيخ قاسم، أن يروقوا قليلاً على أنفسهم، فالخروج من طابع ثقافي فكري معيّن في اللقاء مع الجمهور والإعلام، إلى الطابع الخطابي يحتاج وقتاً ودرجاتٍ لا بد من اتباعهما للوصول إلى اكتمال الصورة.
من الشهيدين الموسوي ونصرالله إلى قاسم، الدرب طويل و.. قصير. طويل بقدرة الله، وقصير بقدرة إسرائيل التي باتت تعرف جيداً أن الشهادة هي اختيار لا يعود بعدَه العُمر يُحسب بالسنوات بل بالساعات وربما بالدقائق وربما بالثواني !
يتم قراءة الآن
-
العـلـم اللبـناني يرفـرف في زوطـر الغربـية شروط أميركية لتحقيق إنسحاب اسرائيلي كامل عون يتصدى لخطة ترامب لإقحام الشرع بمواجهة حزب الله
-
رغبة الشرع بالحرب ضدّ "حزب الله"
-
بعد أكثر من قرن: راهبات الفرنسيسكان ينهين خدمتهن في حلب
-
المؤشرات مقلقة بعد "نموذج" زوطر الغربيّة! آليات غامضة... ولا أجوبة حول اليوم التالي ؟
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:46
وكالة تسنيم الايرانية: صاروخان أميركيان يستهدفان محيط قرية مسن في جزيرة قشم جنوبي إيران
-
23:23
تفجيرات ضخمة تسمع في محيط صور ناتجة عن اعتداءات اسرائيلية على مشاع المنصوري
-
23:14
محافظة القدس: قوات الاحتلال تطلق النار على شاب عند حاجز مخيم شعفاط بقضاء القدس المحتلة
-
22:41
غارة محيط ديرسيريان - القصير
-
22:11
وزراء خارجية دول عربية وإسلامية يدينون التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى والحرم القدسي
-
22:09
الخارجية الأميركية: واشنطن تعمل على تفكيك الشبكات المالية لجماعة الإخوان وحماس
