اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

على ضوء الكلام الجاري بأن لبنان الرسمي يتجه الى مفاوضات غير مباشرة مع «اسرائيل»، وهذا امر ايجابي لمعالجة التوتر المتعاظم بين الدولة اللبنانية والعدو الذي لا يتوقف لحظة عن خرق السيادة اللبنانية وتنفيذ الاغتيالات وضرب الاراضي اللبنانية، انما في الوقت ذاته هذه المفاوضات رغم اعتقاد البعض انها خطوة اولى في مسار التطبيع غير انها في الحقيقة خطوة لتثبيت هدنة 1949 بما ان لبنان لا يريد الحرب ولا السلام مع الدولة العبرية لعدة اعتبارات.

ونقول ان لبنان لا يمكن ان يوقع معاهدة سلام مع «اسرائيل»، اولا، لان دماء شهدائنا لم تجف بعد واوجاع جرحانا لم تستكن بعد، فضلاً من المستحيل ان يطبع لبنان مع دولة دينية كرست في قوانينها مبدأ تفوّق الديانة اليهودية، بعدما أعلنت رسمياً ان اليهودية هي دين الدولة وهويتها الحصرية. في المقابل، فان لبنان، ورغم المآسي التي شهدها مجتمعه، الا انه يبقى نموذج التعددية والتنوع الثقافي والاجتماعي والطائفي حيث يعاكس النموذج اللبناني بشكل مطلق وعلى كل الاصعدة النموذج الاسرائيلي الديني. وقصارى القول ان الدول الدينية تلغي الاخر وترفض وجود معتقدات مختلفة عن معتقداتها، وبالتالي سقف الحرية والديموقراطية محدود بشكل كبير بما ان كل الاراء يجب ان تتطابق مع الدين المعتمد.

ورغم التطرف الايديولوجي والديني لـ»اسرائيل»، نأسف ان نرى بعض الجهات اللبنانية تروّج للتطبيع ولانهاء حالة العداء مع «اسرائيل» دون اعلان نواياهم بشكل واضح الا ان خطاباتهم وتصاريحهم تصب كلها في هذه الخانة. والسبب ان هؤلاء يعتقدون انه ريثما يطبع لبنان علاقاته مع الدولة العبرية، سيعود «سويسرا الشرق» وسينعم بالازدهار الاقتصادي والمالي ولن تشوبه اي شائبة بعد ذلك. علاوة على ذلك، يرى هؤلاء ان الاسرائيليين سيتخلون عن احتلالهم للاراضي التي احتلها الجيش الاسرائيلي» مؤخراً عام 2024، وسيسود الامن والاستقرار في جنوب لبنان والبقاع وكل الاراضي اللبنانية وستوقف «اسرائيل» التجسس حتى انها ستصل الى «رش الرز» على اللبنانيين انطلاقا من محبتها لهم رغم مواصلتها لقتل الشعب اللبناني على مر عقود من الزمن.

هذا التفكير الخاطىء حول وجوب اجراء التطبيع بين لبنان و»اسرائيل» خاصة من جهات داخلية، يأتي من عدم ادراك ان التطبيع هو معاهدة سامة بحق لبنان وليس بحق «اسرائيل» في حال حصل (لا سمح الله) لان الدولة اللبنانية تكون قد وقّعت على ورقة اعدامها واغتيال الوطن بأيديها مرتكبة الخطيئة المميتة بحق الشعب اللبناني المنفتح والانساني.

اولا، ان القيم والميزات التي طالما جعلت لبنان متفرداً في الشرق الاوسط، ستكون مهددة بالخطر الاسرائيلي على الصعيدين الديني والثقافي اذا حصل التطبيع. فالمدارس ذات الطابع المسيحي والاسلامي والجامعات التي اتى بها رسل اميركيون ويسوعيون من اميركا واوروبا، ستقوم «اسرائيل» بكل وسعها الى الغاء هذا التنوع الثقافي التربوي والعلمي في لبنان لانها دولة يهودية وتسعى الى اضفاء طابع واحد على كل الاصعدة.

لا تطبيع ولا سلام مع «اسرائيل» الدينية التي تقوم على فكرة اسرائيل الكبرى»، وتسعى عبر حروبها المتكررة وهجماتها في سوريا ولبنان الى اعادة رسم خرائط المنطقة، لتحقيق حلمها بالهيمنة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية على الشرق الأوسط بأسره.

نحن، الشعب اللبناني الذي ذاق مرارة الحروب والانقسامات التي مزّقت وطنه، نتمسك باتفاق الهدنة الموقع عام 1949، ونرفض اي معاهدة استسلام تهين كرامتنا او تُنكر تضحياتنا وآلامنا عبر السنين. ما نريده ببساطة هو أن نحيا بكرامة في وطن يحفظ قيمنا، وتراثنا، وانفتاحنا.

لذلك، فان السلام مع «اسرائيل» امر مستحيل، لأن الشعب اللبناني لن يقبل باتفاق يُفرض عليه بالقوة او بالاكراه. غايتنا هي اعادة بناء لبنان بعيداً عن التجاذب الاقليمي الحاصل ولتذهب الى الجحيم كل دولة تسعى الى استخدام شعبنا وقوداً لحروبها.


الأكثر قراءة

جنيف تظلل مفاوضات واشنطن...هل يستفيد لبنان؟ «فيتوات» عدة... ورهان على بدء الانسحاب التدريجي!