اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

ماذا يفترض بالرئيس جوزف عون أن يفعل، لكي يستقبل في البيت الأبيض مثلما أستقبل الرئيس أحمد الشرع؟ أن يسلّم لبنان جثة هامدة الى بنيامين نتنياهو. مشكلتنا أننا حين نسأل أين سوريا الآن، لا بد أن نسأل أين لبنان الآن؟ الأميركيون يأتوننا ليفتشوا حتى في جدران القصر (السراي لا يعنيهم)، عن أي أثر لحزب الله الذي لا ندري لماذا يشكل ذلك الهاجس الاستراتيجي لأعظم أمبراطورية في التاريخ. لم تعد الصين بامكاناتها الاقتصادية والعسكرية الأسطورية، ولا روسيا بالترسانة النووية الهائلة، الهاجس. حزب الله هو وحده الذي يهز أعصاب الأمبراطور...

حقاً لماذا كل ذلك العداء لحزب الله، وقد فاوض الأميركيون "الفيتكونغ"، بالرغم من أنهم قتلوا نحو 60000 ضابط وجندي أميركي، وأسقطوا نحو 10000 طائرة، بينها القاذفات العملاقة "بي ـ 52"، كما فاوضوا "طالبان" التي جعلتهم، وبعد 20 عاماً من القتال الذي استخدمت فيه "أم القنابل"، يفرون مثل القطط المذعورة تحت عيون تلك الصخور البشرية. لماذا لا يفعلون ذلك مع حزب الله، الذي وجد لاجتثاث الاحتلال من الجنوب اللبناني، لا لاحتلال الجنوب الأميركي، وقد بقي على الأرض لأنه يدرك الى أي مدى يمكن للوثة التوراتية أن تقود العقل السياسي والعقل العسكري في "اسرائيل".

وسائل الاعلام الاسرائيلية اشارت الى أن زيارة الشرع لواشنطن، هي من أجل اعداد صفقة لدخول سوريا في "اتفاقات أبراهام"، ما يعني جر لبنان، وجر العراق، وبالضرورة دول عربية أخرى، للالتحاق بقافلة الحج الى الهيكل، بعدما بات واضحاً أن الهيكل لا الكعبة، بات وجهة الصلاة، ولكن بعد تعرية تلك البلدان من كل عوامل القوة، ليعم "السلام التوراتي" في المنطقة... هياكل عظمية في حضرة "الحاخامات".

ولكن أليس من الغباء التعامل مع سوريا لكأنها في حقيبة أحمد الشرع، ولطالما كانت الابنة الكبرى للتاريخ، أو التعامل مع لبنان على أنه قصاصات بشرية وطائئفية متناثرة، بوجود من هو مستعد للدفاع عن الأرض، وعن عنفوان الأرض، حتى نقطة الدم الأخيرة. للتذكير فقط كيف أنتهى مناحيم بيغن بعد التجربة المريرة في لبنان، داخل بطانية الصوف، كما المصاب بالجذام. وكيف اتنهى آرييل شارون في الغيبوبة الصغرى، قبل الانتقال الى الغيبوبة الكبرى. ايهود باراك قال في الجنوب اللبناني انه أقصر الطرق الى جهنم.

يفترض أن نذكّر الرئيس الشرع، العائد متوجاً من الحاضرة الأمبراطورية، بأن سوريا المثقلة بالآلام الآن، هي الدولة العصية على كل الضغوط الأمبراطورية أو القبلية، التي تعرضت لها على مدى العقود الماضية، حتى أن الرئيس الراحل حافظ الأسد استطاع اقناع اسحق رابين، الذي هو من احتل مرتفعات الجولان في حرب حزيران 1967 بالانسحاب منها، ليبقى الخلاف على ضفاف بحيرة طبريا، قبل أن تستقر رصاصة ييغال عامير، باسم "الشريعة اليهودية"، في رأس رابين، باعتباره "الخائن الذي يريد أن يبيع اسرائيل للرئيس السوري"!

آنذاك قال محمد حسنين هيكل، أن الاسد كان يتكلم كناطق باسم التاريخ (وحتى الجغرافيا)، أما رابين فكان يعلم أنه مثل "اسرائيل" طارئ على التاريخ وعلى الجغرافيا...

نعلم مدى الضغوط التي يتعرض لها العماد عون الذي يتطلع الى بناء الدولة ـ الدولة لا الى الدولة ـ المغارة. وهذا هو المستحيل في بلد قام على فلسفة الفساد. ولا ندري ما هو تعليقه حين رأى نظيره السوري، الخارج للتو من الكهوف، في البيت الأبيض، لكنه يعلم أن الورقة الوحيدة التي بيد لبنان في أي مسار تفاوضي، هي الصمود، ولا يمكنه القبول بأن يساق لبنان بالعصا الى "الحظيرة الاسرائيلية"، مع ادراكنا أن كل المنطقة تدور داخل الزمن الأميركي. المشكلة في سوقنا الى الهيكل عراة حتى من أظافرنا...

لا ندري بماذا عاد الرئيس السوري من زيارته "التاريخية". ولكنه لا بد أن اصغى بدقة الى شروط دونالد ترامب، والى نظرته للسلام بين دمشق و"تل أبيب"، مروراً ببيروت و"تل أبيب"، باعتبار أن سوريا هي الوصية الأولى على لبنان، الذي يقتضي أن يسلك الطريق الذي تسلكه سوريا الى أورشليم، والا الخيارات التي لا تخطر في بال. الى كم عود ثقاب يحتاج لبنان لكي يشتعل وسط ذلك التأجيج الغرائزي، الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء؟

السعوديون يشاهدون كيف يمسك رجب طيب اردوغان بكتفي أحمد الشرع، ليلقي به بين يدي بنيامين نتنياهو ، الذي له نظرته التوراتية الى سوريا، وحيث يقول اشعيا ان "دمشق تزول من بين المدن، وتصبح ركاماً من الأنقاض" !

من البداية و "اسرائيل" ترى في تقويض النظام في ايران، الطريق الى تغيير الشرق الأوسط. "هيئة البث الاسرئيليىة" ذكرت نقلاً عن أحد السؤولين، أن الدولة العبرية" وضعت اسقاط النظام الايراني هدفاً لها، قبل نهاية ولاية الرئيس دونالد ترامب. هذا ما يثير مخاوف المؤرخ الاسرائيلي، واستاذ العلاقات الدولية في جامعة أوكسفورد، آفي شلايم من "الجنون النووي" في رأس أركان الائتلاف.

وكانت أبحاث صدرت عن "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، والذي يموله "اللوبي اليهودي"، قد ألمحت الى أن "القيادة الاسرائيلية" ترى أن لا بقاء للدولة العبرية، الا بتقويض نظام آيات الله في ايران. كيف؟ سنتيمترات قليلة جداً بين أصابع نتنياهو والأزرار، التي تطلق الصواريخ النووية. لكن هذه الأبحاث بالذات لا تسأل أي شرق أوسط بعد تلك اللحظة، بل أين "اسرائيل"...؟ 

الأكثر قراءة

عرض قد يصل الى 220 مليون يورو... ريال مدريد يستعد لأغلى صفقة في تاريخه