اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


في خضمّ التوتر المتجدّد في جنوب لبنان، بعد التمديد الأخير لقوة الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل)، برزت قضية ملتهبة تتعلق ببناء جدار إسمنتي على امتداد ما خلف الخط الأزرق، الذي حدّدته الأمم المتحدة كخط انسحاب في العام 2000، لتأكيد انسحاب القوات "الإسرائيلية" من جنوب لبنان، ويبلغ طوله 120 كلم.

وخلال أحد الاجتماعات الثلاثية في العام 2007، اتفق لبنان و "إسرائيل" على وضع علامات مرئية (هي عبارة عن براميل زرقاء) على الخط على الأرض، فأصبح يُعرف بـ "الخط الأزرق "، وتُمثّل هذه الخطوة انتهاكاً صارخاً للسيادة اللبنانية ولقرار مجلس الأمن الرقم 1701، لا يمكن السكوت عنه.

وهذا الجدار الخرساني ليس مجرّد حاجز دفاعي، على ما تدّعي “إسرائيل"، نافية تجاوزه الخط الأزرق، بل يحتوي وفق تقارير ميدانية، على نقاط مراقبة متقدّمة، ويقيّد حركة السكان اللبنانيين ضمن أراضيهم، ما يكرّس "أمر واقع" يُهدّد السيادة الوطنية.

أوساط ديبلوماسية مطّلعة تقول لـ "الديار" إنّ "اليونيفيل" لم تكتفِ بمراقبة ما حصل، بل أجرت مسحاً ميدانياً للجدار وللانتهاك "الإسرائيلي"، ووثّقت عملها في بيان رسمي صدر عنها، ذكرت فيه بأنّ عناصرها أجروا مسحاً قبل شهر، كشف عن تشييد "إسرائيل" جداراً إسمنتيّاً يتخطّى الحدود اللبنانية، وأنّ جزءاً من جدار آخر تقوم ببنائه جنوب شرقي يارون، ويشمل مناطق في قرى مارون الراس وعيترون، يتجاوز الخط الأزرق. واعتبرت كذلك أنّ "وجود "إسرائيل" في الأراضي اللبنانية وأعمال البناء التي تجريها هناك، يشكّلان انتهاكا لقرار مجلس الأمن 1701، ولسيادة لبنان وسلامة أراضيه"، الأمر الذي ينفي، كما تقول الاوساط، ما يُقال عن أنّ "اليونيفيل" تكتفي فقط بعدّ الاعتداءات "الإسرائيلية" على الجنوب، سيما أنّها كشفت حقيقة ما يجري ووضعته أمام "إسرائيل"، والدولة اللبنانية والرأي العام والعالم.

ولهذا، فإنّ أي تعدٍّ إضافي على السيادة اللبنانية، لا سيما بعد احتلال "إسرائيل" للتلال الخمس الحدودية بعد الحرب الأخيرة، تقوم "اليونيفيل" بالتحقّق منه، وبفضحه لكي تأخذ الطرق الديبلوماسية طريقها الصحيح، إلى إيجاد الحلّ المناسب له ووقفه في أسرع وقت ممكن. ومن هنا، فإنّ عمل "اليونيفيل" اليوم، وفق الأوساط، لا يقتصر على تعداد التعديات، والدليل أنّها قامت بتوثيق ما جرى خلال الفترة الأخيرة، مشيرة إلى أنّ الجدار الذي أقامه الجيش "الإسرائيلي" منع السكّان المحليين من الوصول إلى مساحة تفوق أربعة آلاف متر مربّع (نحو فدّان) من الأراضي اللبنانية، وأبلغت الأمم المتحدة والجيش "الإسرائيلي"، بالنتائج التي توصّلت إليها، وطلبت إزالة الجدار.

غير أنّ "اليونيفيل" لا تتمتّع بصلاحيات تنفيذية تمنع البناء أو هدم الجدار، على ما تلفت الأوساط، وهذا الواقع يعكس ضعف أو محدودية دور "اليونيفيل" تجاه التسلّط "الإسرائيلي"، وفي ظلّ وجود لجنة "الميكانيزم" التي لا تتحرّك أساساً ضد "إسرائيل"، بل تدعم أفعالها وذرائعها. الأمر الذي يطرح تساؤلات حول فاعلية الدور الدولي في حماية الأراضي اللبنانية.

وبالتالي، ما هو موقف الدولة اللبنانية؟ وكيف السبيل إلى إرغام "إسرائيل" على وقف بناء الجدار، أو هدم الجزء الذي تتعدّى فيه على الأراضي اللبنانية؟ تجيب الأوساط بأنّ رئيس الجمهورية جوزاف عون أوعز للجيش اللبناني في وقت سابق، بالتصدّي للانتهاكات "الإسرائيلية". ويحتاج لبنان اليوم إلى استراتيجية ديبلوماسية سريعة ومتعددة المسارات، لوقف الأعمال، قبل أن تستكمل "إسرائيل" استيلاءها على الأراضي اللبنانية، ويُصبح في موضع المفاوض على انسحابها منها، على ما يحصل بالنسبة إلى احتلالها لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من الغجر، وتتمثل في ما يأتي:

1- اللجوء إلى الديبلوماسية الدولية من خلال إرسال مذكرات احتجاج رسمية لمجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، مع التأكيد على خرق القرار 1701، وضرورة التدخّل العاجل لمنع توسّع الجدار.

2- التعاون مع الدول الكبرى الفاعلة، من خلال استثمار العلاقات مع الولايات المتحدة وفرسا، ودول الاتحاد الأوروبي، للضغط على "إسرائيل" عبر القنوات الرسمية والسياسية.

3- الاستفادة من القانون الدولي عن طريق رفع قضايا عبر محاكم دولية، أو طلب تدخل هيئات حقوق الإنسان لإظهار الطابع غير القانوني للبناء.

4- الضغط الإعلامي والدولي من خلال نشر تقارير مستندة إلى مسوحات "اليونيفيل"، وبيانات الأمم المتحدة، لتسليط الضوء على الانتهاك وتعبئة الرأي العام الدولي.

5- الكشف عن أبعاد الجدار الاستراتيجية، سيما أنّه يتجاوز الخط الأزرق بعمق يصل إلى كيلومترين في بعض المناطق، ما يتيح للعدو إقامة نقاط مراقبة عسكرية، وسيطرة على طرق محلية، وبالتالي تغيير "الواقع الميداني" دون مواجهات مباشرة، في خطوة استراتيجية لفرض الأمر الواقع على الأرض.

وتخلص الأوساط الديبلوماسية إلى القول إنّ الجدار الإسمنتي في جنوب لبنان، يبقى أحد أبرز التحديات السيادية الحالية. وبينما تكتفي "اليونيفيل" بتوثيق الانتهاكات، تتحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية تحرّك ديبلوماسي سريع وفعال، لمنع استكمال البناء وحماية حقوق مواطنيها... وإن لم تتحرّك بذكاء وسرعة عبر القنوات الدولية، فإنّ "الأمر الواقع الجديد"، قد يتحوّل إلى تغيّر دائم في خارطة الجنوب اللبناني.

الأكثر قراءة

عرض قد يصل الى 220 مليون يورو... ريال مدريد يستعد لأغلى صفقة في تاريخه