في القرى الأمامية المدمّرة من الجنوب اللبناني، تتحوّل الرعاية الصحية إلى معركة موازية. فبين المستشفيات التي أُغلقت جزئيا، والمستوصفات التي تضرّرت بفعل العدوان، تسدّ الجمعيات والمنظمات الإنسانية الفراغ، عبر وحدات متنقلة تُداوي جراح الأهالي، وتؤمّن لهم ما تيسّر من أدوية وخدمات. أما وزارة الصحة اللبنانية، فتعمل على التنسيق والإشراف، في ظلّ محدودية الموارد وضغط النزوح الداخلي المتزايد.
وتُعدّ مراكز الرعاية الصحية الأولية، العمود الفقري للنظام الصحي اللبناني، لكنها اليوم تواجه أكبر اختبار منذ سنوات.
فبحسب وزارة الصحة، لا يتجاوز عدد المراكز المعتمدة، وفق برنامج الاعتماد الوطني 8% من إجمالي المراكز، فيما خرج نحو 19 مركزا في الجنوب من الخدمة، نتيجة الأضرار أو النزوح القسري للكادر الطبي.
وفي الوقت نفسه، سجّلت الأمم المتحدة وجود أكثر من 120 ألف نازح داخلي في محافظات الجنوب وصيدا والنبطية، ما ضاعف الضغط على المنشآت العاملة والمتنقلة.
وتنتشر في الجنوب أكثر من 30 وحدة طبية متنقلة، تابعة لوزارات ومنظمات محلية ودولية.
تقرير "كاريتاس لبنان" لعام 2022 يشير إلى تشغيل 9 عيادات متنقلة، و10 مراكز رعاية ثابتة، تقدم خدمات طبية مجانية في مناطق صور والنبطية وصيدا.
أما "أطباء بلا حدود" (MSF)، فأعلنت في تقريرها لعام 2023 عن دعمها مركزين للرعاية الأولية في النبطية، عبر فرق متنقلة تقدّم استشارات وأدوية، ومتابعة للحوامل والأطفال.
كذلك تدير منظمة "مالتسر إنترناشونال" برنامجا متنقلا، يخدم أكثر من 28 ألف شخص سنويا في الشمال والجنوب، ضمن مشروع "العيادة على الطريق".
وتقول الممرّضة "ريما" لـ "الديار"، وهي من فريق متنقل في منطقة العديسة: "نصل أحيانا إلى القرى المهدّمة بعد انقطاع أسابيع. الناس تنتظرنا كأننا إسعاف حياة. الطلب على أدوية السكري والضغط أكبر من قدرتنا على الاستجابة".
من بلدة الطيبة الجنوبية، يروي الحاج حسن (65 عاما) تجربته مع العيادات المتنقلة: "منذ دُمّر المستوصف في البلدة، أصبحت أراجع العيادة المتنقلة التي تزورنا كل عشرة أيام. أحمل دوائي القديم بيدي، وأنتظر السيارة البيضاء الآتية من النبطية. هي اليوم صيدليتي ومستشفاي".
ويقول أحد الأطباء العاملين مع منظمة إنسانية لـ "الديار"، إنّ الفرق المتنقلة «تعمل بجد، لكن التمويل غير مستقرّ، والوقود والأدوية شحيحة، والمواعيد تتغيّر تبعا للوضع الأمني والطرق".
وتلفت اوساط وزارة الصحة لـ "الديار" الى أنّها تعمل بالتعاون مع المنظمات الدولية والبلديات على "تأمين أدوية الأمراض المزمنة، وإعادة تشغيل المراكز المتضرّرة تدريجيًا".
وتشير الاوساط إلى تسلّمها من "اليونيسف" في أيلول الماضي، 33 طنا من الإمدادات الطبية الطارئة لتوزيعها على مستوصفات الجنوب.
لكنّ الأطباء والعاملين في الميدان يشددون على أن الاستجابة الرسمية "تبقى بطيئة"، وأنّ ما يُنجز على الأرض يعود بمعظمه إلى الجمعيات الإغاثية والمتطوعين.
وتفيد احصاءات حصلت عليها "الديار" من جهات معنية، ان هناك 120 ألف نازح داخلي في الجنوب والبقاع والنبطية، بالاضافة الى 19 مركز رعاية أولية خرجت عن الخدمة جزئيا أو كليا.
في المقابل قدمت "اليونيسف" 33 طنا من الإمدادات إلى وزارة الصحة في أيلول 2024.
وهناك 9 وحدات متنقلة لكاريتاس، وعيادات متنقلة متعددة لأطباء بلا حدود ومالتسر إنترناشونال. ويستفيد حالياً 28 ألف مريض من خدمات العيادات المتنقلة سنويا في الجنوب.
ورغم الجهود الإنسانية، ما زالت المشكلات تتكرر: نقص الأدوية الأساسية، تأخير مواعيد العيادات المتنقلة، وصعوبة الوصول إلى بعض القرى الحدودية.
ويقول أحد المسعفين: لـ "الديار": "أخاطر أحيانا لدخول مناطق قريبة من خط التماس، لتوصيل حقنة أنسولين أو أدوية ضغط. الناس في هذه القرى يعيشون على الانتظار".
وتواجه المنظمات أيضا نقصا في التمويل، وصعوبة في تأمين الوقود لمركباتها، ما يهدد استمرارية الخدمات، في حال استمرار الوضع الحالي دون دعم إضافي.
وفي الخلاصة يعيش الجنوب أزمة صحية حقيقية، يتقاسمها القطاع العام والمبادرات الإنسانية. فبين عجز الدولة وضغط الميدان، تبقى العيادات المتنقلة صمّام الأمان لأهالي القرى الأمامية، لكنها حلّ مؤقت لا يمكن أن يستمرّ من دون خطة وطنية شاملة، لإعادة بناء المراكز الثابتة وتأمين الأدوية الدائمة. ويُعدّ إنّ ما ينجزه المتطوعون والأطباء الميدانيون بطولياً، لكنه لا يعفي الدولة من مسؤوليتها في حماية الحقّ بالصحة، حتى على خطوط النار.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
11:57
شهباز شريف: التقدم الإيجابي بين الجانبين يُعدّ تطوراً مرحباً به ليس على مستوى "الشرق الأوسط" فحسب بل على الصعيد الدولي أيضاً
-
11:53
الخارجية الإيرانية: أمريكا ملتزمة وفق مذكرة التفاهم بعدم زيادة قواتها في المنطقة خلال فترة المفاوضات
-
11:53
مندوب إيران لدى الأمم المتحدة: الخط الأحمر بالنسبة لنا هو أي هجمات أخرى على لبنان بما في ذلك بيروت والجنوب
-
11:52
الخارجية الإيرانية: أمريكا أصدرت الترخيص اللازم لبيع النفط الإيراني والمنتجات البتروكيماوية
-
11:52
الخارجية الإيرانية: على القوات الأمريكية الانسحاب من المنطقة المحيطة بنا خلال 30 يوما من الاتفاق النهائي
-
11:44
وكالة الأنباء العمانية : السلطان يستقبل وفدا إيرانيا ويبحث معه استئناف وانسياب حركة وسلامة الملاحة عبر مضيق هرمز
