اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

عندما يدخل القارئ إلى عوالم نصّ مترجم، يكون قد أعدّ نفسه بأنه سيقرأ نصًّا عن ثقافة مختلفة ربّما، وبلغة يحتاج إلى أن يتابعها ويبدي رأيه فيها حول قدرتها على نقل لغة النصّ الأصلي وغاياته ومقاصده، وهذا أمر طبيعيّ، وقد يحبّ نصًّا ما أكثر من غيره، بسبب ترجمته وقدرات المترجم، أو لأسباب أخرى كثيرة، ولكن عندما يبدأ القارئ بنصّ عربيّ أصيل، ويجد نفسه منذ صفحاته الأولى تائهًا يلاحق ما اعتاد ملاحقته في النصّ المترجم ليمسك بخيوط الحكاية والشخصيات والأسماء والأماكن... فهو أمر يدعو إلى الاستفزاز، وهنا يكون أمام المتلقّي حلّان، أن يترك النصّ ولا يتعب نفسه، أو أن يستمر في ملاحقة الحكاية وشخوصها وغاياتها، وهذا ما حصل عندما بدأت بقراءة رواية "الطانفا" (دار فضاءات للنشر والتوزيع 2025) للروائي الجزائري الصدّيق حاج أحمد.

تبدأ الرواية بإيهام بأنّ طالبًا من جنوب الجزائر حظي بمنحة لدراسة أنثروبولوجية المجاورة الثقافية في كب تاون في جنوب أفريقيا، يقرر كتابة "بروفة" رواية بعدما حضر ورشة كتابة إبداعية هناك، ولأقول رأيًا سريعًا حول هذا الطالب وقصته القصيرة، إنه لو ظهر أكثر وظهرت قصته وهو يكتب بروفة روايته، لكان الأمر مشوّقًا أكثر، ولأراح المتلقي من ثقل رواية "أغمّو" بلغتها ومحلّيتها وأمكنتها وقضاياها الكثيرة.

هي قصة "أبو غرارة"، الرجل التاجر القادم من قصور توات الذي يتاجر بالتمور ومن بعدها بالطانفا، الواكس الإفريقي، ومن هناك يجمع ثروة من تجارته التي ازدهرت في تلك الفترة، وتظهر معه ميناتو زوجته، وهي تمثيل للبعد العاطفي والإنساني في النص، وكان لوفاتها منعطفًا نفسيًّا لدى البطل، خصوصًا وأنه يترافق مع خسارته ثروته في النهاية، وشخصيات كثيرة تظهر، ولعلّ أبرزها استعادة النصّ لشخصية الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي، فبوغرارة الذي سيمثّل في النصّ رمزًا وطنيًّا ومناضلًا في الجبهة الجنوبية للثورة الجزائرية، كان لاستحضار شخصية تاريخية معه همًّا لدى الكاتب، ليؤكّد على أنّ هؤلاء حضروا بالفعل في تاريخ الجزائر، وحضروا في الثورة وكانوا أساسًا فيها، وكانوا الأساس في الدفاع عن وحدة الجزائر.

تعددت الأمكنة، وهي الأساس بالنسبة إلى الصديق حاج أحمد، فهو صاحب مشروع وهمّ ثقافيّ كبير، وهو الذي يريد من أدبه أن يحمل همًّا لم يحمله كاتب "عربي من شمال إفريقيا"، وهو أن يكون النصّ إفريقيًّا، وانتماء البلاد إلى القارة السمراء، وخصوصًا في المناطق الريفية الداخلية منها، وهو أهم قضية حملتها الرواية، لذا نجد البطل الجزائري، بوغرارة، التاجر الناجح، حتى الطالب الراوي، يخرجان من الجزائر، ويحملان همومها، ويستقران في بلاد إفريقية، في جنوب إفريقيا، وفي مدن غرب القارة مثل قاو وباماكو ونيامي... وأيضًا هاييتي، ومهما حاولت الرواية إيهامنا بأنّ المقصد من ذلك هو التركيز على انتشار الطانفا في تلك البلاد، رأيي أنّ الكاتب أراد أن يقول إن وحدةً ما تجمع هذه البلاد، ليست اللغة والدين، التي تجمع العرب، والجزائر واحدة من دول العرب، يجب الحديث عنها بكثرة وبوضوح، وهو أخذ على عاتقه أن يقوم بالأمر، فـ"إفريقيّة" البلاد أساس في تاريخها وحاضرها ومستقبلها، وهنا سؤال كبير حول الوطنية والانتماء!

لغة النصّ صعبة، وهنا أعود إلى أنّ المتلقيّ بالفعل يجد نفسه أمام نصّ يوهم بأنّه مترجم، عن لغة غير منتشرة كالإنجليزية والإسبانية والفرنسية، ويجد صعوبة في الإمساك بخيوط النصّ في البداية، فأسماء الشخصيات والمناطق، والإغراق في محلية بعض العادات والمصطلحات، أمور كثيرة تعقّد على المتلقي متعة القراءة، ولكنها غاية مقصودة بعينها، فمحلية الجنوب الجزائري، الإفريقي، كان يجب لها أن تظهر وتسيطر، خصوصًا عندما يعرف المتلقي غايات الكاتب، والتزامه بقضية، ليسوا كثرًا من حملوها.

ولكن على الرغم من فهمي لمقاصد الكاتب، أقول إن الكاتب كان عليه أن يطوّع اللغة ويبسّطها ويبذل جهدًا أكبر مما بذله، فلتصل القضية، يجب أن يصل النص إلى القرّاء، ووصوله إلى القارئ المحلّيّ فقط، لا يخدم القضية كثيرًا، فهو يشترك مع الكاتب بتلك الأفكار، وافقه أم لم يوافقه الرأي حولها، أما ما يخدم القضية فهو وصولها إلى المتلقي العربي، والغربي والإفريقي إن تُرجم النص، وهنا مأخذ على النصّ أقول إنّه بسببه قد لا يصل النصّ إلى من أراد الكاتب لنصه أن يصلهم.

مأخذ آخر على النص هو ظهور الراوي، الكاتب، الطالب، ولقائه السريع في فقرة قصيرة في الصفحة الأخيرة من النص، ورأيي لو أنه لم يظهر أبدًا كان أفضل من هذا الظهور السريع، أو لو ظهر وأعطيت له مساحة أكبر في أثناء عملية تشكيل النص، وقد ذكرت ذلك سابقًا، لكان الأمر فيه من القوة والمتعة والجدّة الكثير.

"الطانفا" رواية صعبة وجدّيّة لكاتب ملتزم، قضيته واضحة، وانتماؤه لبلاده وحمله قضاياها واضح أيضًا، ولعلّ قضايا الريف والمناطق المنسية هي الأبرز، قدّم نصًّا أجد فيه ضرورة ملحّة يجب أن يسعى إليها كل كاتب ينتمي إلى الريف في بلاده، فالأدب يحتاج إلى أن يتعرّف متلقّوه إلى عوالم جديدة، مرتبطة بالزمان أو في المكان أو في التاريخ أو في الشخوص، أو في كل ما سبق من مكوّنات مجتمعة. 

الأكثر قراءة

لبنان يدخل أخطر جولة تفاوض منذ الحرب الوفد اللبناني يطالب بوقف النار أولاً وجدول زمني للانسحاب