اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

الحادي عشر من تشرين الثاني، لم يكن يوماً عادياً يمر مرور الكرام... كان محطة اساسية مسؤولية ومتابعة، ومهرجان كبير سنوي في مجمع سيد الشهداء. فالسيد ملك القلوب والشاشات، سيكون حاضراً في وجدان كل منا، ليعيد تاريخ المقاومة وشهدائها، وفاتح عهد الاستشهاديين الشهيد احمد قصير، الذي به ابتدأت فصول رواياتنا.

في كل سنة كنا نحضّر للمناسبة بشغف يُشبه سيدنا وأميننا، بحبٍ وعطاءٍ نرسل الدعوات، وكأنها طائر يحلّق من السماء يحط رحاله في كل منزل.

حرب الاسناد التي عمل منا كل حسب اختصاصه كانت قاسية حد الوجع العميق، الذي يدخل في روحك ويبقى ملازماً له، ويسكن بعدها قلبك فيعتصره وكأنك في مهب رياح هوجاء. لكن الواجب للوقوف مع المستضعفين والمظلومين، يجعلك تستجمع قواك المتعبة، وتصدّ رياح الحقد ومحاولة الآخرين لجعلك وهِناً تلملم جراحك المثخنة، وتقول مدرسة الحسين علمتني هيهات منا الذلة... هيهات منا التعب.

صادق الوعد والعهد

انه العاشر من تشرين الثاني 2024... تلك السنة كل شيئ طعمه مختلف، ونكهته أكثر تركيزاً، كيف لا وفي يوم الشهيد قائد الأمة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، مع الشهداء قلباً وروحاً وجسداً...

يقال ان البعيد عن العين بعيد عن القلب، لكن الاستثنائي فعلاً لا يمكن الا ان تشعر به... ربما هي من اللحظات القلائل جداً التي كنا نرى السيد، لكننا كنا نشعر به بكل ما فيه قريب منا في كل تفاصيله. وبعد شهادته بات أقرب إلى أرواحنا... بل بات ملازماً لها نراه في عيون كل المحبين، نراه في أهداف أعمالنا بوصلتنا التي بتنا نسير عليها، بل مدرسة تخرّج كل يوم شهداء نذروا أنفسهم للوطن ولكرامة، لا يمكن الا ان تعرف الانتصارات.

مجمع سيد الشهداء محط رحالنا... اليس هو منبر السيد وطواف أرواح الشهداء، لم يكن التفكير عبثاً انه الهدف... منبر السيد الذي طالما اليه هوت القلوب وتسارعت دقاته عند سماع صوت الأمين العام... يأسرنا بحبه يجعلنا نعرف الكثير، يشاركنا في السياسة والاجتماع والدين والأخلاق، نلهم منه حب الفقراء ونحن منهم.

يقود سفينتنا لنصل إلى بر الأمان في الإنسانية... كل ما فيه حياة، وكل ما لديه مقاومة وعز وفخر وانتصارات... صادق الوعد والعهد مع العدو والصديق والحبيب... هو ذا السيد مدرسة من العطاء الإلهي... انعكاس لمدرسة الائمة والأنبياء... صبر وتحمل وايثار حتى الرمق الاخير...

روحه الحاضرة

كل من كان في ذاك الزمن لم يكن إنسانا عادياً... الحاج محمد عفيف مجدداً يعود إلى الواجهة في زمن الحرب. وحدهم الأبطال من يقفون بشجاعة يتصدون يناقشون، يخبرون الموت انهم لا يهابونه، ألسنا من مدرسة أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا اذاً لا نبالي...

هيا إلى منبر السيد مجدداً، فالواجب أن نعيد كل ما فيه هناك، ولو كانت الضاحية تتعرض للقصف. بيوتنا دمرت، شقى الايام هدّمه الحقد الإسرائيلي، لكن نحن لا نبالي، فالعزة ممتدة من الشهداء وارواحهم. والكرامة لا يصنعها الا أولئك الذين تصدّوا بأجسادهم لآلات القتل الفتاكة... لا ضمانات لنجاتنا أو لتحييدنا... ولو عاد بنا الزمن سنعيدها ونكررها، ولو كانت الطائرات الحربية فوق رؤوسنا .

باكراً باكراً... اخترق صوت الحاج محمد مسمعي، ليعيد تذكيري أن المناسبة مناسبة السيد وأبناءه الشهداء، وهي المرة الأولى التي ستكون روحه الحاضرة دون جسده....لذلك فكل عمل أو حتى نفس سيكون للسيد تواجداً فيه.

رائحة الوجع في كل الأماكن...

انه اليوم الموعود الحادي عشر من تشرين الثاني 2024. لم أنم يومها فكل شيئ مهيب.. الذكرى، الحدث، الشخصية،الشخصية المتحدثة،الحشد الاعلامي كل العناصر لا يمكن اغفالها ولا يمكن التهاون بها..

جهّزت نفسي، حضرت السيارة التي ستقلني إلى المجمع... كلما اقتربت من الضاحية، كنت اشاهد حزنها ووجعها، رغم أنها لم تنحني صمدت تحدّت، كما يتحدى الرجال هناك عند الحدود... أبية عصية على الانكسار.

رائحة الوجع كانت في كل الأماكن... الحقد الإسرائيلي كان يشبه بشاعة أرواحهم حد الهزيمة... المباني السكنية كانت فشة خلقهم الوحيدة، فهي الضلع القاصر كما المدنيين عجزوا في الميدان. فكان طائراتهم تحاول بث الرعب في الحجر والبشر والشجر... لا زالت بعض المباني مشتعلة... هنا كتب مدرسية ممزقة، هنا العاب اطفال، هناك ما تبقى من صور لامرأة وأحفادها.

وصلنا إلى المجمع كان صوت طائرة الاستطلاع يخرق اذاننا، وكأنه ينذرنا بالدخول إلى اعماق ادمغتنا يحاول اختراق اجهزتنا العصبية لجعلنا ننهار تحاول اللعب على صمودنا فنفر وكأننا طيور مجروحة... ربما للحظة شعرت بالخوف يتسلل إلى قلبي لا من شبح الموت، إنما من فكرة ان يلملم اشلائي وجسدي المقطع رجال يعرفونني بشكل شخصي... تمنيت أن تتناثر كل خلية مني هناك أمام المجمع لعلي، احلق سريعاً استنشق في رئتاي انفاس السيد، الذي كان هنا وكأن منبره يتشوق في كل الكلمات، ويبحث عن صدى صوته في كل زاوية ...

ثوانٍ عدت إلى الواقع، ها هو الحاج أبو هادي بهمته العالية يمشط المكان، يبحث عن راية هنا، وخلفية تناسب المشهد العام للمناسبة...

استحضر الكثير من القادة الشيخ راغب، السيد عباس السيد حسن، السيد هاشم، الإمام الخميني، احمد قصير، السيد محسن الحاج عبد القادر... وغيرهم الكثير والكثير غصت بوابة المجمع ومدخله بصورهم، وكأن العالم توقف عند تلك الراية. تزاحمت الوجوه، ايها أبهى ايها أجمل ايها كان رحيله يترك ومضات القلب تشتعل، وحده سيد المكان ترك الدمعة تسيل في الروح قبل العين.

الاساطير تكتب في الجنوب

مرارة الفقد والاوجاع والغربة امتزجت بمرارة فنجان القهوة الذي احضره لي الحاج موسى ....كان القدر ربما يترك آخر البصمات هناك. وحدها الذكريات الحزينة جمعتنا بغصة واحدة. وحدها نظرات التيه اخبرتنا عن وشوشات المقاومين ...لا بد ان نثبت يا صديقي لا بد أن نبقى جسورين... لا بد أن نقاوم وان اطفئت أعيننا وقطعت اطرافنا وسلبت بيوتنا... فالروح هي من تقاتل...

تشابهنا والقهوة بمرارتها، لكن زوبعة الفنجان ستهدأ في آخر المطاف. سينتصر من كان يترك من روحه هناك، سينتصر من ترك اجساد أبنائه تُزرع واحداً تلو الآخر...

سينتصر من لم يترك بندقيته حتى انصهرت بين يديه وتحنت بدمائه...

كل الترتيبات على قدمٍ وساق، ها هو الشاب العشريني محمد يجهز طاولة قائد اسطوري، عرفه العالم بأسره، وبات ينتظره ليشرح ويفند ويقدّم الصورة الحقيقية للمقاومين وتضحياتهم، يُخبرنا عن أمجاد تُصنع هناك ...

يُحكى أن الأساطير هي محض خيال، لكنها في بلدنا كانت تُكتب في الجنوب على أيد شبانٍ شجعان زرعوا أجسادهم في الأرض، كالزيتون والنانرج لنشتم منها زهر الليمون والبرتقال والرمان.

يا حاج... عيناكَ تنذر بالرحيل والارتقاء

اكتملت الترتيبات صورة السيدين الامينين تعتلي المنبر، وكأنهما نزلا من السماء، فيما وضع كرسي الحاج محمد متوسطاً المشهد.

اتصال للحاج محمد، حسناً انها الساعة المحددة حضر الاعلاميون والمشهد اكتمل تقريباً وكأن القمر في ليلة تمامه، لكن في وضح النهار دقائق وحضر قائد الكلام وصانع الروايات ومطرز الاحرف منذ الثمانينات، اخبرهم يا صلاح ان حزب الله أمة والامم لا تموت.

حضر وهجه، ابتسم لي وكأنها اول مرة رأيته... أردت أن اقولها له تجرأت في عباراتي... انت تشبه الشهداء يا حاج تشبههم في تفاصيلهم... تشبههم في ارواحهم عيناك تنذر بالرحيل والارتقاء... ابتسم وكأنها باتت قاب قوسين او ادنى حقاً!! يا رب... بعد السيد لا طعم للحياة هي جحيم... الدنيا سوداء بعده بالنسبة لي...

هو انيس الروح مستقر الانفاس، صديق الدروب الصعبة، المثقف الذي يشاوره السيد في افكاره، ينتظر بعضاً من همساته ليقبلها يناقشها حيناً وياخذها كما هي حيناً آخر .

حضور الحاج محمد وحوارنا قطعه اقتراب الإعلاميين منا، فكان قبلة وبوصلة الذين أرادوا أن ينهلوا من نبع معارفه ومعلوماته، ارادوا أن يفهموا ما يحصل، أن يأخذوا بعضاً من أسرار ذاك الثبات من تلك الارواح الهائمة، كيف اجتمع العالم كله على مقاومة ولا زالت تقاوم هي مدرسة الحسين وزينب هي امتداد لتلك الإنتصارات.

الحاج محمد بدأ بالتحليق

جلس الحاج خلف المنبر... تجربة للصوت والمشهد... حسناً الطاولة غصت بالميكروفونات، وضعنا مجموعة من كراس فوق بعضها، جلس الحاج... قرّبت كرسيه باتجاه المنبر ...التفت الي انت ستحملينني ؟؟؟عطي للشباب سيؤلمك ظهرك ! نعم ياحاج ليتني استطعت أن أفعل شيئاً، ليتنا خبأناك في قلوبنا وفديناك بارواحنا ...

حسناً حان الوقت المحدد... البث المباشر جاهز، وكل الكاميرات موجهة على القائد الاسطورة، الذي نفض ركام الحرب، وحدد المعالم للمعركة بعد استشهاد السيدين... اوصل صوت الصواريخ التي نزلت على كريات شمونة وتل ابيب، أعلن في مؤتمره الثاني متحدياً نتنياهو في عقر داره قيساريا، فعلناها وسنعيدها ونكررها.

لكن هذا المؤتمر كان له طعم خاص ونكهة مميزة وعطر من أرواح الشهداء، كان الحاج محمد قد بدأ بالتحليق، عيناه الهائمتان تحملان كل عشق لرفيق دربه، تبحثان عن ذاك الغائب الحاضر بقوة ...

اختناق الكلمات في الحنجرة انتزاع للروح... ودمع بات يخبئه من عدسة الكاميرات... خانته المإقي فتسللت... هي المرة الأولى في يوم الشهيد ولم يكن سيد القلوب ها هنا... لن يحييه في المجمع لكنه معهم... ومعنا بروحه وطيفه وصديق عمره وانيس فكره... هي مناسبة يوم الشهيد... فاتح عهد الاستشهاديين احمد قصير لتتوالى حكايا مقاومتنا وثوراتنا وتضحياتنا... حدث المقاومين شبههم بالكربلائيين... ذاب عشقاً بهم، رسم الخطوط وان كانت متعرجة لكنها واضحة المعالم... سياق اعلامي سياسي عسكري جهاد ثقافي جمعه الحاج محمد في موتمره...

شوقه يلاحق طيف السيد

كانت كل الانظار مشدوهة ها هنا، وكل العالم متسمّر أمام الشاشات هنا الصحافة الأجنبية وهنا العربية والمحلية...

كانت كلماته صيد ثمين من أعماق وكنه المقاومة... كانت الكلمات مفردات يعجز الانسان عن تفسيرها، كانت روايات مكتملة العناصر بتفاصيلها، رواية شعب ضحى لاجل أرضه وأبناء لم يسألوا عن جاه ومال تركوا كل الدنيا وباعوا جماجمهم لله...

ربما كان يعلم الحاج باقتراب الموعد، شوقه يلاحق طيف السيد بكل ما فيه روى كل ما تبقى من أحرف ذهبية قدمها شاهد على عصرنا ...

القى الحُجّة على الجميع اودعهم أسرار المقاومة وحبها، تحدّث عن حولا وبداية المجازر الإسرائيلية... لتولد المقاومة من العناء، من بيوت لبنان الفقيرة المضحية، أخبرنا عن المعادلة الثابتة الذهبية جيش وشعب ومقاومة، تحدث مع الداخل اللبناني الذي يشهد على جبروت الإسرائيلي ولا يحرك ساكناً... عجباً يرضى القتيل ولا يرضى القاتل... لوحة سياسية اعلامية قدمها الحاج بأناقة كلامه ومفاهيم ثبتها كقيادي يفهم التاريخ والجغرافيا...

ختم كلامه بحزننا المؤجل الذي بات اكثر الماً في الاعماق، ترك الرواية مفتوحة النهايات، ليسطرها أروع الرجال هناك عند حدود الوطن، ليكتبوا هم انتصارات قادمة، سيكتبها التاريخ بحبر قاني... ويكونوا هم أبطال الروايات. فصانع الرواية اغلقها بنهايات مفتوحة لتكتمل برجال الله في الميدان.

الأكثر قراءة

عرض قد يصل الى 220 مليون يورو... ريال مدريد يستعد لأغلى صفقة في تاريخه