في لحظة لبنانية تختلط فيها السياسة بالقضاء، والانهيار المالي بالبحث عن بقايا مؤسسات، جاءت انتخابات نقابة المحامين في بيروت لتخطف الأضواء، ولتؤكد مجددا أن هذا الاستحقاق النقابي هو أكثر من مجرد عملية انتخاب داخل جسم مهني، طالما اعتبر تاريخيا أحد آخر معاقل التوازن والديموقراطية، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى مساحة تعبر عن نبض الشارع، وميزان حرارة للمزاج السياسي العام، ومختبرا مصغرا لتوازنات القوى التي تتحرك على الساحة.
وسط هذا المشهد المعقد، برز فوز مرشح "القوات اللبنانية" عماد مارتينوس بمنصب نقيب المحامين، كمحطة استثنائية تحمل دلالات تتجاوز البعد النقابي، إلى حسابات سياسية وقضائية دقيقة وحساسة. فالاستحقاق لم يكن منافسة اعتيادية بين محامين على إدارة شؤون المهنة، مع تحول المعركة الى مواجهة غير مباشرة بين رؤيتين لموقع النقابة ودورها: رؤية تعتبرها حصنا للدفاع عن الحريات واستقلال القضاء في مواجهة السلطة، ورؤية أخرى تسعى إلى الحفاظ على موقعها التقليدي بعيدا عن الصدامات، على ما يشير المقربون من معراب.
اوساط نقابية رأت ان اختيار المحامين لمارتينوس لم يكن حدثا عابرا، بل جاء في سياق تراكم إحباط المحامين من التعديات المتكررة على القضاء، ومن تراجع دولة القانون، ومن الانهيار الذي أصاب "قطاع العدالة" بشكل مباشر، في زمن تغلق فيه الأبواب أمام الإصلاح في المؤسسات الرسمية، ما اعاد النقابة الى دورها التاريخي كمنبر للمعارضة المدنية، وكحاضنة لخطاب التغيير.
غير ان ذلك، والكلام للاوساط، لا يعني ابدا فصل هذا الفوز عن المشهد السياسي الأوسع، الذي عكس قدرة "القوات" على ترسيخ حضورها داخل النقابات المهنية، في ظل تراجع خصومها التقليديين، كما يكشف عن ميل شريحة واسعة من النخب القانونية ، نحو خطاب يعتبر نفسه الأكثر وضوحا في مواجهة السلطة القائمة، مع كل ما لهذا التحول من انعكاسات تتجاوز جدران "بيت المحامي"، لتصل إلى ساحات قصور العدل، والبرلمان، وحتى المعركة الرئاسية المقبلة.
على الجهة المقابلة، تعترف مصادر "خصوم القوات" ان النتيجة سلطت الضوء على مأزق القوى المعارضة التقليدية، التي لم تستطع توحيد جهودها خلف مرشح واحد، ما أعطى "القوات" أفضلية تنظيمية، وحضورا واضحا في صناديق الاقتراع، وهذه الرسالة موجهة لكل من يفكر في خوض الاستحقاقات المقبلة: التنظيم، التحالفات، والقدرة على استنهاض عصب القواعد هي مفاتيح الفوز الحقيقية.
من هنا ، يرى كثيرون ان التحدي الأساس امام معراب، سيكون التأكيد على استقلالية النقابة وعدم تحويلها إلى موقع صدامي مع الأطراف الأخرى، رغم أن جزءا من قواعدها يرى في الفوز فرصة لتعزيز خطاب المواجهة مع السلطة، وأن تثبت وصول نقيبها إلى المنصب، لا يعني جر النقابة إلى صراع سياسي مباشر، بل تعزيز موقعها المرجعي كمظلة للدفاع عن العدالة، مع الحفاظ على مسافة حماية بين العمل النقابي والعمل الحزبي.
قد يقال إن انتخابات النقابات لا تغير موازين القوى الكبرى في لبنان، لكن ما جرى في نقابة المحامين يقدم مؤشرا مهما: المؤسسات المهنية تعيد تموضعها في خضم الانهيار، والاختيارات لم تعد محكومة بالاصطفافات التقليدية وحدها، بل بالأداء، بالخطاب، وبالقدرة على خلق ثقة مفقودة في الدولة.
فبفوزه، ادخل عماد مارتينوس معراب الى مركز القرار في النقابة، وفي جَعبته انتصار مهم، لكن أيضاً مسؤوليات ثقيلة. فالرأي العام النقابي، كما اللبناني، يراقب عن كثب، وينتظر ما إذا كان هذا الفوز سيشكل بداية لمسار إصلاحي ، داخل واحدة من أهم المؤسسات المدنية، أم مجرد محطة إضافية في سجل المعارك السياسية ،التي تخاض فوق كل ساحة في هذا البلد.
بهذا المعنى، فإن انتصار "القوات" ليس مجرد فوز في معركة مهنية، بل هو مؤشر سياسي - قضائي على اتجاهات جديدة بدأت تتشكل في لبنان، وربما تشكل ملامح مرحلة مقبلة ستكون فيها النقابات أكثر حضورا، وأكثر تأثيرا، وربما أكثر اشتباكا مع السلطة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:55
قصف مدفعي إسرائيلي شمال شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة
-
23:54
بقائي: يجب حث الدول المعنية على الكف فوراً عن السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها كمنصات انطلاق للعدوان على إيران
-
23:54
بقائي: من غير المسؤول إطلاقاً لوم إيران على دفاعها عن سيادتها مع التقاعس عن محاسبة المعتدين على انتهاكهم للقانون الدولي
-
23:45
ارتفاع حصيلة زلزالي فنزويلا إلى 4490 قتيلا
-
23:45
رئيس المجلس الأوروبي: إرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أرسى دعائم الشراكة القوية بين الاتحاد الأوروبي ودولة قطر
-
23:45
الديوان الأميري القطري: إعلان الحداد العام في كافة أنحاء الدولة على فقيد الوطن الكبير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني 4 أيام اعتبارا من الأحد
