اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

نفهم ما وراء "الحملة الاسرائيلية" المجنونة ضد حزب الله، لكننا لا نفهم ما وراء حملة بعض الأحزاب والشخصيات المسيحية الأكثر جنوناً ضده، حتى لتشعر أنهم ينتظرون "اللحظة الاسرائيلية" للانقاض عليه ولو بأسنانها، ولو بأظافرها، بالرغم أن الحزب لم يكن يوماً في الخندق المعادي للمسيحيين، وقد لاحظنا كيف تصرف حيال الميليشيات التي تعاملت بكل وحشية، ابان الاحتلال في الشريط الحدودي.

نتوقف عند مدى صدقية ومدى لبنانية وزير حزبي سابق، ينتمي الى مكون اثني عرف بأصالته، وبابتعاده عن الآفة الطائفية. اذ سبق له وهدد حزب الله بالفصائل السورية من الشمال، وبالجحافل الاسرائيلية من الجنوب، يتهم الآن الحزب بالوشاية ضد الرئيس جوزف عون، الذي يعرف هؤلاء الوشاة واحداً واحداً لدى الأميركيين. لا نتصور أن ثمة تفاهة كهذه، وبعدما كتبنا الكثير عن "ثقافة التفاهة" المستشرية لدى بعض أركان المنظومة السياسية وأتباعهم، الذين ينظرون الى المشهد اللبناني من سراويل القناصل أو من عباءات القناصل.

لسنا من الببغاءات الذين يدافعون بتلك الضحالة عن المقاومة، بادراكنا ما هي ضرورة المقاومة وحتميتها، في مواجهة ذلك النوع من الذئاب، بالحمولة التوراتية التي لا تفرق بين لبناني وآخر، بل وبين كائن بشري وآخر، لنطرح هذا السؤال هل قامت المقاومة بقطع الرؤوس بالفؤوس، كما فعلت بعض تلك الأحزاب ابان الحرب الأهلية، وهي مستعدة لفعل ذلك في أي حين؟ وهل ألقت بـ "الأعداء" وهم أحياء في آبار الكلس ؟ وهل عرضت جماجم الضحايا على عربات الخضار...؟

ندرك أن الحزب أخطأ كثيراً بانغماسه في اللعبة الداخلية بكل آفاتها وبكل بشاعاتها، كما ندرك أن "حرب الاسناد" بقدر ما كانت خطأ تكتيكياً، هي خطأ استراتيجي، بالتداعيات الكارثية التي قد تعقبها أيام أكثر كارثية، لكنه الظاهرة الفذة التي نجحت في اجتثاث الأقدام الهمجية من الأرض اللبنانية، سواء القادمة من قاع الايديولوجيات أم من كهوف تورا بورا. لنسأل أيضاً أين هو الفريق السياسي في لبنان الذي بأجنحة الملائكة، وباخلاقية الملائكة، حتى ليتحول البلد من "أريكة للقمر" كما وصفه لامارتين، الى مغارة علي بابا؟

الآن تتوالى التهديدات الاسرائيلية اليومية، آخرها ما نقلته القناة 13 من أن المنظومة الأمنية أوصت بحرب ضد لبنان تمتد لأيام. وعلينا أن نتصور ما يمكن أن تفعله الطائرات، بعدما لوحت القيادات السياسية والعسكرية الاسرائيلية، بأن القصف لن يقتصر على المواقع التابعة افتراضياً لحزب الله. وكنا قد سألنا اذا كانت الغارات ستستهدف محيط القصر الجمهوري في بعبدا، لترغم الرئيس جوزف عون على الاستسلام لا على التفاوض. وهذا ما بدا واضحاً في التجربة السورية، ومع ذلك لا انسحاب من الأراضي، التي احتلت منذ 8 كانون الأول المنصرم، ودون أن تتوقف "اسرائيل" عن القضم اليومي للأرض السورية، وعن اعتقال المواطنين السوريين الذين يقطنون في البلدات القريبة من المنطقة العازلة.

لا أحد الا ويدرك مدى أهمية وجود المسيحيين في لبنان الذين هم سبب وجوده، ولأنهم بحكم علاقتهم بالغرب، انتقلوا بلبنان الى ثقافة الحداثة، ليتحول الى مركز اشعاع للعالم العربي. ولا شك أن بقاء لبنان كدولة، رهن ببقائهم على أرضه، ومع اعتبار أن انشاء الكانتونات الطائفية، كما تدعو بعض الأحزاب المسيحية، لا يؤدي الى تلاشي الظاهرة اللبنانية فقط، وانما أيضاً الى انحلال الدولة اللبنانية. أي مسيحيين في هذه الحال، بوجود تلك الزعامات النرجسية، وحتى القبلية، التي خبرنا على الأرض ما فعلته ببعضها البعض في الخنادق، وفي صناديق الاقتراع، وبالصورة التي أدت الى تراجع الدور المسيحي، وحتى تراجع الألق المسيحي؟

واضح للجميع أن المسيحيين الذين تأثروا بروسو وفولتير ومونتسكيو، يخضعون كما الطوائف الأخرى، لعملية تعليب مروعة، من خلال التأجيج السياسي والطائفي، فقط لكي يتمكن ذلك النوع من القادة من البقاء على عروشهم. ولكن أي مسيحيين الآن حين لا يكونون الطائفة، التي ترأب التصدعات السوسيوـ طائفية بتهديدها ليس فقط بالحرب الأهلية، وانما بتقويض البنية الفلسفية للدولة اللبنانية.

عشية زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان، لا بد من التذكير بكلام البابا يوحنا بولس الثاني للبنانيين، اذ وصف لبنان بأنه "أكثر من بلد رسالة"، ودعا اللبنانيين الى "الصمود في وجه التحديات، والمصالحة والعيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين، وتعزيز قيم الأخوة والحرية، كمثال للتعددية للشرق وللغرب". أين المسيحيون، وأين المسلمون من ذلك الكلام؟

الآن "الاسرائيليون" يقرعون طبول الحرب، هل نستقبل طائراتهم بالزغاريد مثلما استقبلنا دباباتهم منذ 43 عاما، لتكون النكبة الكبرى للمسيحيين بوجه خاص. انه بنيامين نتنياهو الذي قال انه في مهمة روحية، وهي انشاء "اسرائيل الكبرى"، وأين؟ كل المكونات وكل الطوائف اللبنانية مهددة بوجودها، على أمل أن تعيد زيارة الحبر الأعطم، وهو الذي على اطلاع دقيق على تفاصيل الأزمة اللبنانية، في اعادة أهل السياسة الى وعيهم، لأن لبنان سيكون في أقصى حالات الخطر، اذا استمر حلبة للصراع الاقليمي والصراع الدولي.

لقد مدينا أيدينا الى كل ألأصدقاء، والى كل الأعداء. متى نرى أيدي اللبنانيين ممدودة للبنانيين...؟

الأكثر قراءة

عرض قد يصل الى 220 مليون يورو... ريال مدريد يستعد لأغلى صفقة في تاريخه