كثيرا ما نقول إن الأولاد مرآة أهاليهم، لكن الواقع المر يظهر أن هذه المرآة قد تنكسر قبل أن تكتمل ملامحها. فالأبناء لا يأتون إلى الحياة محملين بالعقد أو النقائص؛ هم يولدون صفحة بيضاء، ناعمة، قابلة لأن نخط عليها الخير أو الشر، الثبات أو التشتت، الطمأنينة أو الخوف. ولكن حين يعجز الأهل عن بناء بيت متماسك، متفاهم، قائم على الحوار والوعي، يتحول الطفل إلى ضحية من حيث لا يدري.
النكد العائلي هو بداية الشرخ، فالنكد داخل الأسرة ليس مجرد انزعاج يومي؛ هو حالة مزمنة تخلق مناخا خانقا يعيش فيه الأبناء. عندما يرى الطفل أبويه يتشاجران باستمرار، يصرخان، يتبادلان الاتهامات أو اللامبالاة، يتعلم أن الحياة صراع دائم لا مودة فيه. فيكبر وهو لا يعرف كيف يحب وكيف يستمع، أو كيف يعبر من دون غضب. النكد يسرق من الطفل طفولته، ويجعل قلبه هشا قبل عمره. أما غياب التخطيط الأسري هو أيضا في مقدمة التقهقر العائلي.الأسرة ليست مكانا للنوم والطعام فقط، بل هي مشروع حياة. ولكن حين يغيب التفكير العميق لدى الأهل، ويصبح الارتجال هو القاعدة، يدفع الأبناء الثمن. فكم من والدين ينجبون بلا وعي، بلا استعداد وبلا رؤية لما يحتاجه الطفل من دعم نفسي وتربوي وعاطفي؟ وكم من قرارات مصيرية تتخذ في لحظة انفعال، فتكون نتائجها كالحجارة التي تنهال فوق سنوات النمو؟
إن قلة التفكير ليست مجرد سلوك فردي، بل هي فوضى تتراكم، وتبني داخل الطفل شعورا دائما بالضياع.
يأتيك العناد ليكمل ما قد دمره النكد وقلة التخطيط. هومعركة فاشلة، الكل يخسر من جرائها لأنه ليس دليل لقوة شخصية الأهل، بل هو ضعف في التواصل وحل المشاكل. فمثلا حين يصر الأب أو الأم على رأيه لمجرد العناد، لا يربي طفلا واثقا، بل يربي طفلا مكسورا أو متمردا. فالتربية بالعناد تزرع في الأبناء إما خوفا مزمنا يجعلهم يطيعون الآخرين على حساب أنفسهم، أو تمردا يجعلهم يرفضون كل ما يأتي من السلطة، حتى لو كان صحيحا.
الأهل الذين لا يتراجعون ولا يعتذرون يخرجون أبناء لا يعرفون الاعتراف بالخطأ، ولا يملكون المرونة اللازمة للحياة.
حين يعيش الطفل في بيئة يغلب عليها النكد وسوء التفكير والعناد، يشعر أن البيت ليس ملجأ بل عبئا. يبدأ بالبحث عن بديل، عن مكان يمنحه هوية وشعورا بالاهتمام. وقد يجد هذا البديل في الشارع، في رفاق السوء، في المخدرات، في العلاقات المؤذية، أو في أي مساحة تبدو له أقل ألما من بيت أهله.
هروب الأبناء لا يكون دائما هروبا جسديا فقط، بل أحيانا يهربون من الداخل، يصبحون منكفئين، ضعيفي الشخصية، أو منغلقين على ذواتهم بلا ثقة ولا أمان.
ما العمل أمام كل هذا الأذى الذي يسببه الأهل لأبنائهم؟ فإن كانوا يدرون فعلتهم، فتلك مصيبة وإن كانوا لا يدرون فتلك المصيبة الكبرى!! التربية مسؤولية كبيرة قل من يعرف مفاتيحها ويدرك أسرارها.
الأبناء لا ينحرفون من تلقاء أنفسهم، بل لأن أحدا لم يمسك بيدهم في الوقت المناسب. التربية ليست غريزة تأتي تلقائيا، بل علم وفن ووعي. يحتاج الأهل إلى أن يتعلموا قبل أن ينجبوا، وأن يفكروا قبل أن يصرخوا، وأن يسمعوا قبل أن يحكموا، وأن يحبوا قبل أن يطالبوا.
فالبيت إما أن يكون حضنا ينمي القدرات، أو سجنا يقتل الأحلام.
الأبناء هم ضحية الآباء عندما يغيب الوعي، ويسيطر العناد، وتتحول الحياة المنزلية إلى ساحة نكد وصراع. ولكن التغيير ممكن دائما. يكفي أن يدرك كل أب وكل أم أن الطفل ليس مسؤولا عن مشاكلهما، وأن دورهـما يبدأ من إصلاح أنفسهما قبل إصلاح أولادهما. فالأبناء ليسوا ملكا نتحكم به، بل أمانة نرعاها، وإما أن ننهض بها… أو ندمرها دون أن نشعر.
يتم قراءة الآن
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
12:06
الطيران المسيّر الإسرائيلي يُحلّق على ارتفاع منخفض في أجواء مدينة بعلبك
-
12:02
الخارجية الإيرانية: لن نوافق على طلب الوكالة الدولية للطاقة الذرية الوصول إلى منشآتنا النووية
-
11:58
رئيس وزراء العراق: زيارتي لأميركا تهدف لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية
-
11:53
القضاء العراقي: الحجز على 9 عقارات تجارية و3 معامل لإنتاج الطحين بالموصل تبلغ قيمتها نحو 69 مليار دينار عراقي في إطار قضايا فساد
-
11:49
مطار الخميني الدولي بطهران: المفاوضات مستمرة لعودة شركات الطيران الأجنبية
-
11:48
مطار الخميني الدولي بطهران: وضع الرحلات الجوية في المطار طبيعي
