غداة انتخاب البابا فرنسيس، متأثراً بالهمّ الإنساني الذي كان الخط الفلسفي للقديس فرنسيس الأسيزي، كتبت "لا تدع الله يستريح"، ليخيّل لي، بعد ذلك، أن الله أناط بأميركا إدارة البشرية، ربما لأنه لم يكن يعتقد أن مخلوقاته الضعيفة يمكن أن تصل الى هذا الحد من الشبق الى المال، والى الدم. الأهم الى "الأنا". وعشية زيارة البابا لاوون الرابع عشر، كم من الفريسيين، وكهنة الهيكل، سيكونون في استقباله، بلباس الملائكة، أستعيد سؤالاً لكاتب سوداني رائع، في خضم الحرب بين الأشقاء (ومتى كان هناك أشقاء بين المسلمين والمسلمين وبين المسيحيين والمسيحيين؟) "يا سيدي الله متى تزور هذه البلاد ؟". ولأنني لا أستسيغ الألقاب البشرية التي يسبغونها على الله، أسأل "أيها الله متى تزور لبنان ...؟".
لا يعنيني ما يقوله الذين يتعاملون مع الله، بطقوسهم، أو بفتاويهم، العجيبة، وبمفاهيمهم التي تفرغ الكائن البشري من كل محتوى انساني كما لو أن الله واحد من تلك الآلهة التي كان يتعبد لها آباؤهم في الأزمنة الوثنية. هذه منطقة قيل لنا إن كل الأنبياء ظهروا فيها، باعتبار أن الآخرين لا يستحقون أي اهتمام من السماء. وكان يفترض اذا ما أخذنا بالنصوص المقدسة، أن تكون المنطقة التي يوجد فيها الله (لا أميركا) في كل مكان، لنفاجأ بأننا من أكثر المناطق شقاء وتشققاً في هذا العالم. لماذا ؟
كنا نتصور أن ذلك يعود الى زرع إسرائيل بيننا، قبل أن نكتشف أننا ما زلنا القبائل (أو الطوائف) التي تغزو بعضها البعض، وتسبي نساء بعضها البعض، وترتكب العظائم ضد بعضها البعض، وأن هناك من يسكن الأبراج فيما شقيقه لا يجد ملاذاً حتى في المقبرة. بحقكم كيف لهؤلاء الناس أن يواجهوا الدولة العبرية، باليهود الذي وفدوا من أصقاع الدنيا، ومن شتى الحضارات، ليكونوا في خندق واحد، وفي دولة واحدة، تمكنت، بفعل جهود أبنائها، أن تخترق ثقافة العصر، لا بل أن تكون شريكة في صناعة العصر، دون أن نسأل أين العرب الذين باتت مهمتهم تقتصر على لململة أشلاء أطفالهم، أو البكاء على حجارة منازلهم. لا، لا. تدمير كل صوت يرتفع في وجه الهمجية، وفي وجه كل من يغتصب الأرض، ويقتلع من فيها ومن عليها، دون أن يظهر في الأفق أي ضوء يوحي بالخلاص. اللهم سوى الاتكاء، بأرواحنا المترهلة، على كتف الغيب !
يا للأبهة التي أعددناها لاستقبال الحبر الأعظم، من اللحظة الأولى الى اللحظة الأخيرة. لا بأس أن نعود، مرة أخرى، الى كلام الروائي الأميركي دوغلاس كنيدي لدى زيارته لبنان "هنا لا تدري ما ذا كنت في الجنة أم في جهنم". لا أتصور أن ثمة توصيفاً لبلدنا أكثر دقة وأكثر صدقية، من هذا التوصيف، لنقول لضيفنا الكبير، الآتي من تركيا التي ما زلنا نأخذ بألقابها، وبطرابيشها، أيها الحبر الأعظم هذه الوجوه التي تراها أمامك، وبينها وجهي شخصياً، ليست وجوهنا. نحن جماعة احترفت ارتداء الأقنعة.
لنقول له أيضاً "لا تصدق قولهم ان ايران أو إسرائيل هي فقط المسؤولة عن كل مصائبنا (لكأن أميركا ليست من تصنع المصائب وبتقنية مذهلة). نحن في لبنان، وبفضل قادتنا، المسؤولون عن مصائبنا، وعن نكباتنا. والآن تأتي ونحن أمام مأزق خطير، مأزق وجودي. لا تغادر، وفي ذهنك، أننا بعد كل ما قلته، وما فعلته، سنخلع ثقافة الكراهية وثقافة التفاهة، ناهيك بثقافة التبعية، من رؤوسنا. أيها الآتي بصولجان السيد المسيح، وكان الاعصار الذي دمّر، وهو الحافي القدمين، كل ما فعله الأشرار في هذا العالم. من من المسيحيين على خطى المسيح، ومن من المسلمين على خطى محمد. حين نرى الشرر يتطاير من أفواه بعضهم البعض. قطعاً لا يقلّ اللبنانيون، في حال من الأحوال، عن الإسرائيليين عداء لبعضهم البعض. وقد شاهدناهم، ابان الحرب الأهلية، يحلون الفؤوس محل القاذفات في تقطيعنا الى أشلاء ...
دعوا البابا يرى ما وراء كل تلك المظاهر، ووراء اشكالنا المزخرفة والمزيفة، ما فعلته بنا المنظومة السياسية (المقدسةً). الأثرياء ما زالوا يأكلون الفقراء. طرقات لا تليق حتى بالبغال، ومياه تغور في بطون الجبال، أو في قعر البحار، دون أن تصل الى البيوت، وكهرباء تجعلنا نتحسر ليتنا كنا في الصومال، لا في البلد الذي اثار دهشة الأنبياء، ودهشة الأباطرة (بطبيعة الحال شراهة الحاخامات). هنا الخراب العظيم، والشيطان العظيم (لا الرجيم). يا صاحب القداسة. بعد أن تغادر سيعود كل شيء الى ما كان عليه، والا كيف للوردات الطوائف أن يبقوا فوق ظهورنا، وأن يقدمونا القرابين لكل من يطأ هذه الأرض غازياً، أو فاتحاً. رجاء اقرأ ما كتب على صخرة نهر الكلب، وهو القليل القليل مما عرفه تاريخ هذا البلد من ويلات.
يا صاحب القداسة. إسرائيل ستتوقف عن قتلنا أثناء وجودك في ديارنا، أحفاد من صلبوا المسيح على الخشبة، لتكون القيامة، يصلبوننا كل يوم على أجنحة النار، على وقع قهقهات الحاخامات الذين لا يرون فينا سوى خردة بشرية بقيت عالقة سهواً في التاريخ. ألم يقل بنيامين نتنياهو بإسرائيل الكبرى تحقيقاً للوعد الإلهي. وباعتبارك الأقرب الى الله، والا لما كنت في الموقع، لماذا لا يقول الفاتيكان، وبقبضة السيد، ان الوعد الإلهي هو للبشرية جمعاء التي أعطاها كل الأرض، وليس رجل العقارات، كما هو دونالد ترامب، الذي لا يرى في أراضي العرب سوى العقارات التي لا أصحاب لها. من لا يعترف بذلك ما عليه سوى أن ينتظر على باب المقبرة ...
ندرك أننا في الزمن الأميركي، لكنه ليس بالزمن الذين ارتضاه من وضعوا الدستور باصابع الأنبياء (المفكر الفرنسي ريمون آرون قال "ان الله بعث الى أميركا بسبعة أنبياء دفعة واحدة"، من أجل صياغة الدستور) الذي لم يقل، قطعاً، باطلاق العنان الى اليهود الذين كان يفترض فيهم، بعد الهولوكوست، الجماعة الأكثر محبة والأكثر رأفة بالآخرين. العكس الذي حصل، ويحصل. حملوا ثقافة الهولوكوست على ظهورهم، وراحوا يتنقلون بها، بالقنابل الأميركية الأشد فتكاً، من بلد الى بلد، ومن شعب الى شعب.
كان يقتضي أن نسال البابا متى يستعيد الله صلاحياته من أميركا. ولأننا لا نريد أن نطلب المستحيل، نكتفي بالسؤال "متى يزور الله لبنان ؟". كان الأولى أن نسأل "متى يزور الله الشرق الأوسط ؟". واننا لننتظر ...
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:55
قصف مدفعي إسرائيلي شمال شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة
-
23:54
بقائي: يجب حث الدول المعنية على الكف فوراً عن السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها كمنصات انطلاق للعدوان على إيران
-
23:54
بقائي: من غير المسؤول إطلاقاً لوم إيران على دفاعها عن سيادتها مع التقاعس عن محاسبة المعتدين على انتهاكهم للقانون الدولي
-
23:45
ارتفاع حصيلة زلزالي فنزويلا إلى 4490 قتيلا
-
23:45
رئيس المجلس الأوروبي: إرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أرسى دعائم الشراكة القوية بين الاتحاد الأوروبي ودولة قطر
-
23:45
الديوان الأميري القطري: إعلان الحداد العام في كافة أنحاء الدولة على فقيد الوطن الكبير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني 4 أيام اعتبارا من الأحد
