... وفي اليوم الثالث التقى الموجوعين والمتألّمين ومُنكسري القلوب... «مُجتمع يتجاهل الفقر والهشاشة يفقد إنسانيّته»
لاون الرابع عشر: لتتوقّف الأعمال العدائيّة... الأسلحة تقتل أمّا التفاوض فيبني
أُحيِي مناطِقِ لبنان خاصة الجنوب الذي يعيش حالة من الصراع وعدم الاستقرار
عون: نشكركم ونطلب منكم التأكيد للعالم أنّ شعبنا هو شعب يرفض الرحيل وقرّر الصمود
قال البابا لاون الرابع عشر كلمته من لبنان ومشى.. أطلق نداء من كلّ قلبه إلى ضمائر قادة العالم من مطار بيروت:" لِتَتَوَقَّف الهجمات والأعمال العدائية. ولا يظِنَّ أحد بعد الآن أنّ القتال المسلّحَ يَجلِبُ أية فائدة. فالأسلحة تقتل، أمّا التفاوض والوساطة والحوارُ فتَبني. لِنَختَر جميعاً السّلامَ وليَكُن السّلامُ طريقنا، لا هدفا فقط ! لِنَتَذَكَّرُ ما قاله لكم القدّيس البابا يوحنا بولس الثاني : لبنانُ أكثرُ من بلد إنّه رسالة ! لِنَتَعلَّمْ أن نعمل معاً ونرجو معا لِيَتَحَقَّق ذلك».
قبل مغادرة الحبر الأعظم هذا البلد الحبيب، بدا الحزن على وجهه واستقرّت الدمعة في عينيه، واصفاً المغادرة بأنها «أصعب من الوصول. كنّا معا، وفي لبنان أن نكونَ معاً هو أمرٌ مُعدٍ… فإنَّ مغادرة هذه الأرض تعني أن أحملكم في قلبي. نحن لا نَفتَرِق إذاً، بل بعدما التقينا سنمضي قُدُما معا ".
وتمنّى اللبنانيون أنفسهم لو أنّ قداسته لا يغادر وطنهم أبداً. غير أنّ الستارة كانت أُسدلت عن واحدة من أكثر المحطات الروحية والإنسانية إشراقاً في تاريخ لبنان الحديث.
أنهى قداسة البابا لاون الرابع عشر، زيارته الرسولية التي انتظرها اللبنانيون 13 عاماً، والتي قد لا تتكرّر إلا بعد مثل هذه السنوات. وانتهت معها كالحلم نحو 46 ساعة من عمر الوطن لن تُنسى.
جال على محطات عديدة خلالها، بكى مع الباكين، فرح مع الفرحين، واستمع إلى مشاكل الشباب الذين هم ليسوا فقط «صانعي السلام» للمستقبل، بل وحاملي الرجاء أيضاً.
في اليوم الثالث والأخير من زيارة البابا لاون التاريخية، عاش 4 محطات، بدت جميعها مؤثّرة: من زيارته الصباحية إلى دير راهبات الصليب في جلّ الديب، حيث التقى وجهاً لوجه بالموجوعين والمتألمين نفسياً وجسدياً، وهم الأحبّ إلى قلبه من شرائح المجتمع، إلى موقع انفجار 4 آب في بيروت حيث صلّى صلاة صامتة، وعانق عدد من أهالي الضحايا الـ 235 المنكسري القلوب، وصولاً إلى القدّاس الإحتفالي الذي التقى خلاله مع عدد كبير من اللبنانيين. وختاماً محطة الوداع، والوعد بلقاء آخر.
بالأمس غادرنا قداسة البابا، كما أتانا رسول سلام ومحبة ورجاء. ثلاثة أيام دخلت التاريخ، وأصبحت علامة فارقة في الذاكرة الوطنية، كلّلها بالدعوة إلى وقف الأعمال العدائية، فهل من يسمع؟ وهل ستؤدي كلماته التي تشع كالضوء، بعد هذه الزيارة، إلى خلاص هذا الوطن؟
في دير راهبات الصليب
استهلّ البابا لاون يومه الثالث في لبنان عند التاسعة إلّا ثلثاً من صباح أمس الثلاثاء، بزيارة للطاقم الطبّي والمرضى في مستشفى دير راهبات الصليب في جلّ الديب، حيث تجمع الآلاف من مؤسسات الجمعية التربوية والكشفية والصحية في باحة الدير لاستقبال البابا، واخذوا بركته رافعين الأعلام البابوية واللبنانية ، على وقع الهتافات والاناشيد المرحبة به. وشقّ طريقه من السفارة البابوية إلى المحطة الأولى من يومه الأخير في لبنان، وسط تجمّع الحشود على الطرقات لإلقاء التحية عليه والترحيب بزيارته.
وعند المدخل الرئيسي، كان في استقباله الرئيسة العامة لجمعية راهبات الصليب الأم ماري مخلوف والراهبات. كما شاركت اللبنانية الاولى نعمت عون في الاستقبال إلى جانب مخلوف، كما في وقائع اللقاء. لينتقل بعدها قداسته إلى داخل الدير، على وقع نشيد خُصّص للمناسبة أنشدته «جوقة ذخائر ابونا يعقوب» المؤلفة من مرضى المستشفى بعنوان «أملنا»، من كلمات الشاعر نزار فرنسيس، ألحان وتوزيع المايسترو إيلي العليا، ميكساج وماسترينغ إيلي فقيه.
وكان في انتظاره نحو 350 شخصاً بين مرضى وإداريين والطاقم الطبي للمستشفى. واعتلى بابا روما المنصة التي زُيّنت بالورود البيضاء، علامة السلام ، وتوسّطها صليب كبير والى جانبه صورة الطوباوي يعقوب الكبّوشي، مؤسس رهبنة مار فرنسيس للعلمانيين وجمعية راهبات الصليب، وتمثال للقديس فرنسيس.
الأخت مخلوف: مُستشفانا لا يختار مرضاه
بداية، تحدّثت الأخت مخلوف، فقالت: «أهلا وسَهلا بكم، في مُستشفى الصَّليب للأمراضِ العقليّة والنّفسيّة؛ المستشفى الّذي لا يختارُ مَرضاهُ، بل يحتضن بحبّ، (وغصّت في الكلام)، مَن لم يختَرْهُم أحَدٌ... هُنا، أشخاصٌ مَنسِيُّون، تؤلمهم وَحدَتُهم... هُم وجوهٌ لا تُطِلُّ عَبرَ وسائلِ الإعلام، ولا فوقَ المنابر… وها أنتُم، بزيارتكم، تؤكّدون لإخوَةِ يسُوعَ الصِّغارِ، أفقَرِ الفقراءِ، وأكثرِهِم بُؤسًا، أنّهم مَحبُوبون مِن الله، وأنَّلهم مَكانةً عزيزةً في قلبه، وفي قلبكم».
أضافت: «لقد رفعْتُم للعالمِ شِعارا إنجيليا»طوبى لفاعِلي السّلام». ونحنُ، اليومَ، نقولُ لكم إنَّ السّلامَ يُولَدُ».
وتابعت «نشكرُكم، لأنّ زيارتَكم أثبتَتْ أنَّ العِناية الإلهيّة، الّتي اتكل عليها مُؤسِّسُنا الطّوباويُّ أبونا يعقوب، لا تنفَكُّ تُلازِمُنا، وتمُدُّنا بالقوّة والإيمان. فرِسالتُنا مُعجزةٌ يومِيّةٌ، بشَهادةِ مَن عايَشَها... فكيف لمؤسَّسةٍ فقيرةٍ لا تملِكُ شيئا، أن تبقى صامِدةً برَغمِ أهوالِ الانفجارِ والجوعِ والوباءِ وانهيارِ مُؤسَّساتِ الدَّولة؟! كيف نستمِرُّ، بلا دَعمٍ، ومَع ذلك نُشرّع الأبواب أوسَعَ، كلّما أُغلِقَت أبوابُ العالمِ، في وَجهِ قارِعِيها»؟!
اضافت «العِلمُ لا يملِكُ تفسيرا… ولا اقتصادُ الأرضِ… ولا مَنطِقُ البشرِ... وَحدَها السّماءُ تعرِفُ الجَوابَ...!! إنَّها أعجوبةُ أبونا يعقوب الكبرى!! فنحنُ نعيشُ مِن «فَلْسِ الأرمَلةِ»، مِن غيرِ أن يُعْوِزَنا شيءٌ.وها هُو اللهُ يُحوّلُ ما يُرسِلُه إلينا، مِن خِلال المحسِنين، إلى فيْضٍ مِن الحُبِّ، كما ضاعَفَ المسيحُ الأرغِفة الخمسَة، والسَّمَكتَين... فتتكرَّرُ المعجزةُ، ويَشبَعُ الجِياعُ»...
وقالت: «نُصَلّي مَعَكُم، كي تأتيَ السَّاعةُ الّتي يفرحُ فِيها لبنانُ، والمؤمنونَ في العالمِ، وبناتُ أبونا يعقوب، بعُرسِ إعلانه قديساً على مَذابحِ الكنيسةِ، ليكونَ نموذجا مُشرِقًا في مَحبّةِ الفقراءِ، وشفيعا لهم، ووَجها أصِيلا للعَيشِ المشترَك».
البابا : لا تفقدوا الفرح!
أعرب البابا لاون في كلمته عن شكره لحفاوة الاستقبال، وفرحه بلقاء المرضى والعاملين في المستشفى، معتبرا أن يسوع حاضر فيهم جميعا. وجّه تحية محبة للجميع، وشكر الجوقة على النشيد ورسالة الأمل التي حملها. وأشاد بمؤسس المستشفى الطوباوي أبونا يعقوب (لفظها بالعربية،) وبخدمة راهبات الصليب اللواتي يتابعن رسالته بمحبة وتفانٍ.
ثمّ شكر طاقم المستشفى على عملهم المهني وعنايتهم بالمرضى، مشبّها إياهم بالسامري الصالح، وداعيا إياهم إلى «الثبات وعدم فقدان الفرح رغم الصعوبات، لأن عملهم كبير في نظر الله".
وأكّد أن «هذا المكان يقدّم دروساً للجميع عن ضرورة عدم نسيان الضعفاء، فمجتمع يتجاهل الفقر والهشاشة يفقد إنسانيته». وذكّر بأن «الإنجيل يدعو المسيحيين للاهتمام بالفقراء، وبأن آلامهم تعكس آلام المسيح نفسه ".
وفي الختام، توجّه إلى المرضى مؤكدًا أنهم «في قلب الله الذي يحيطهم بمحبة وحنان عبر من يعتنون بهم»، وقال لهم «الرب يسوع يقول لكل منكم: أنا أحبك وأريد لك كل الخير».
اشارة الى انه جرى اطلاق اسم البابا لاون الرابع عشر على القاعة التي استقبل فيها.
التقى اطفالاً بعيداً عن الاعلام
بعد الكلمة أقام البابا صلاة قصيرة، بعدها تسلم من الام مخلوف ايقونة مار يعقوب وهدايا تذكارية اخرى، وغادر بعدها مستشفى دير الصليب متوجّهاً الى جناح السيدة، حيث التقى الأطفال في مبنى «سان دومينيك» بعيدا من الاعلام، الذين استقبلوه بملابس الأساقفة والحرس البابوي السويسري وبلباس البابا. ومن هناك توجه الى المرفأ، على وقع النشيد الخاص بالمناسبة.
القدّاس الإحتفالي
المحطة الثانية كانت في موقع انفجار مرفأ بيروت، بعدها توجّه البابا في المحطة الثالثة والأوسع جماهيرياً، إلى الواجهة البحرية لبيروت، حيث كان في انتظاره منذ ساعات، نحو 150 الف شخص من اللبنانيين من الداخل ودول الانتشار، إلى جانب وفود عربية وأجنبية، أتت لمواكبة زيارته.
شارك في القدّاس عدد كبير من القادة السياسيين في مقدمهم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والسيدة الاولى، ورئيسا مجلس النوّاب نبيه برّي والحكومة نوّاف سلام وعقيلتاهما، وقائد الجيش رودولف هيكل وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، وقادة أحزاب، ونواب ووزراء حاليين وسابقين وشخصيات ديبلوماسية ونقابيّة وإعلامية وسواها.
ولدى دخوله بسيارة «البابا موبيلي»، وكان الطقس مشمساً بعد أن أمطرت قليلاً في الصباح الباكر، علت الصرخات «فيفا إيل بابا»، ورُفعت الهواتف المحمولة لالتقاط الصور والفيديوهات لقداسته.
وكان المذبح قد زُيّن بالزنابق البيضاء والشموع، وعبّرت خلفيته عن جبال لبنان البيضاء الشامخة، رمز الطهارة. ونقشت عليها عبارة «طوبى لفاعلي السلام» بلغات عديدة. ثم دخل بعد دخول الكهنة والمطارنة إلى المذبح، على وقع ترتيلة أدّتها الفنانة عبير نعمة.
وكانت المرنّمة جومانا مدوّر وعدد من الفنانين رتلوا ترانيم دينية، قبل وصول البابا.
العبسي: جاء ليُثبت المؤمنين
في لبنان والشرق
وقبل ترؤس قداسته الذبيحة الإلهية، رحّب البطريرك يوسف العبسي بالبابا، مؤكّدًا «أن الجموع التي جاءت من مختلف مناطق لبنان وخارجه ، إنما حضرت لتستقبله وتصلّي معه وتستمد منه الرجاء والفرح، ولتبادله السلام الذي أعلنه للعالم». واعتبر أن «حضور هذه الجموع يعبّر عن محبّة الكنائس الشرقية للبابا».
وأشار إلى أن البابا، خليفة بطرس، «جاء ليثبت المؤمنين في لبنان والشرق، حاملا رسالة رجاء في هذا الظرف الدقيق، ومظهراً قرب الكرسي الرسولي من شعوب المنطقة». ودعاه إلى متابعة جهوده للصلاة والعمل من أجل السلام، «كي يبقى الناس ثابتين في أرضهم وشهودا للعيش المشترك».
وختم بأن «زيارة البابا تحمل رسالة عميقة من خلال لقائه بالمكرسين والشباب، وزيارته للقديس شربل والمرضى والمهجّرين»، مبرزا أهمية الصلاة وخدمة المتألمين.
البابا: يا لبنان قم وأنهض
ثم بدأت الذبيحة الإلهية، وبعد ترنيم من المرنّمة غادة شبير، وقراءة الإنجيل من قبل شمّاس بيزنطي، عبّر البابا في عظته عن شكره لله على الأيام المباركة التي شاركها مع الشعب اللبناني، مؤكداُ أن «الشكر غالبا ما يغيب عن قلوب الناس ، بسبب ثقل الحياة والآلام والمصاعب».
ووجّه دعوة للبنانيين «ليحافظوا على روح الامتنان رغم الجراح التي أصابت وطنهم الجميل، المتجذّر في الكتاب المقدس، والمزيَّن بالأرز الذي يرمز إلى مجد لبنان».
وأشار إلى «أن جمال لبنان يُظلَّل بآلام كثيرة: انفجار المرفأ، الأزمات السياسية والاقتصادية، العنف والخوف». وفي وسط هذا الظلام، دعا إلى التأمّل في «الأنوار الصغيرة، أي علامات الرجاء التي تظهر في إيمان الشعب البسيط، وفي خدمة الكنيسة، وفي جهود الكهنة والرهبان والراهبات والعلمانيين، الذين ينشرون المحبّة ويهتمّون بالناس".
وشدّد البابا على «أن الشكر لله يجب أن يقود إلى تغيير في القلب وإلى التزام فعلي»، قائلاً: «نحن جميعاً مدعوون إلى أن نُنَمِّيَ هذه البراعم، وألّا نُصاب بالإحباط، وألا نرضخ لمنطق العنف ولا لعبادةِ صَنَمِ المال، وألا نَستَسلِمَ أمامَ الشَّرِ الذي ينتشر… ليس أمامنا إلا طريق واحد ان ننزع السلاح من قلوبنا ، ونفتح انتماءاتنا الدّينيّة على اللقاءات المتبادلة، ونُوقِظَ في داخِلِنا حُلْمَ لبنان الموحد، حيث ينتصرُ السّلامُ والعدل، ويمكنُ للجميع فيه أن يعترف بعضُهم ببعض إخوةً وأخوات، وحيث يتحقَّقُ أخيرا ما وصفه النّبي أشعيا:» يَسكُنُ الذِّئبُ مع الحَمَل». هذا هو الحُلْمُ الموكولُ إليكم ، وهذا ما يضَعُه إلهُ السّلام بين أيديكم: يا لبنان، قم وانهض! كُن بيتًا للعدل والأخوَّة! كُن نبوءة سلام لكلّ المشرق».
وختم البابا بشكر الله على الوقت الذي أمضاه في لبنان، مؤكدا حمله آلام اللبنانيين وآمالهم في قلبه وصلاته، «كي ينير المسيح هذه الأرض، ويحفظ رجاءها الذي لا يذبل».
الراعي: زيارتكم تجدّد الالتزام
في ختام الاحتفال، عبّر المتحدث باسم مجلس البطاركة والأساقفة والرهبانيات في لبنان البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، عن الامتنان العميق لحضور البابا الأبوي، مؤكداً على أن زيارته «تجدّد التزام الجميع بالسلام والوحدة والحوار». وشكر البابا على كلماته المشجّعة، التي ذكّرت بالرسالة المسيحية في هذه الظروف الصعبة: بناء الجسور، وتعزيز الأخوة، وخدمة الخير العام».
كما أثنى على اهتمامه بالشباب والعائلات، ووقوفه إلى جانب المتألمين. وأشار إلى أن «رسالة البابا في تعزيز التواصل بين المسيحيين والمسلمين، تشكّل منارة تهدي لبنان نحو الرجاء». وختم بتجديد الإخلاص والصلاة من أجل خدمة البابا، طالبا من الرب والعذراء مريم أن يرافقاه في رسالته كرسول سلام، ومقدما له الشكر والمحبة والامتنان.
كأس قربان
ثم قدّم البابا للراعي كأس قربان كهدية تذكارية على زيارته التاريخية.
أناجيل هدية
ومع انتهاء القداس، أدى البابا الصلاة قبل مغادرته أمام أيقونة للسيدة العذراء، وحيا المؤمنين الحاضرين الذين لوّحوا مودعين بالأعلام اللبنانية وأعلام الفاتيكان ، وصرخات "Viva il Papa" .
وبعد مغادرته المذبح، حرص قداسته على مصافحة عدد من المؤمنين، والقوة الأمنية التي رافقته والدراجين الذين واكبوه خلال تنقلاته في لبنان، مقدماً لهم هدايا تذكارية.
وجرى بعد القدّاس توزيع الأناجيل الصغيرة الخاصة بالزيارة على المشاركين في القدّاس، إلى جانب أناجيل مصوّرة للأطفال.
المحطة الأخيرة: مراسم الوداع
واختتم البابا زيارته الاولى له خارج الفاتيكان في مطار رفيق الحريري، حيث أقيمت له مراسم الوداع الرسمية في مبنى كبار الزوار، في حضور الرؤساء عون وبري وسلام ووزراء ونواب وقادة عسكريين وروحيين.
عون: سنستمر في تجسيد الرسالة
وتحدّث الرئيس عون فقال «نلتقي اليوم في ختام زيارةٍ ستبقى محفورة في ذاكرة لبنان وشعبه. فخلال الأيام الماضية، حملتم إلى لبنان كلمات رجاء و أمل، وجلتم بين مناطقه، والتقيتم بشعبه الذي استقبلكم بكافة طوائفه وإنتماءته بمحبةٍ كبيرة، تعكس توقه الدائم للسلام والاستقرار. قد جئتم إلى لبنان حاملين رسالة سلام، وداعين إلى المصالحة، ومؤكّدين أن هذا الوطن الصغير في مساحته، الكبير برسالته، ما زال يشكّل نموذجا للعيش المشترك وللقيم الإنسانية التي تجمع ولا تفرّق».
اضاف : « لمسنا في كلماتكم ، وفي لقاءاتكم مع أبناء هذا البلد، عمق محبتكم للبنان وشعبه، وصدق رغبتكم في أن يبقى وطن الرسالة، وطن الحوار، وطن الانفتاح ، وطن الحرية لكل انسان والكرامة لكل انسان. فشكراً لكم يا صاحبَ القداسة، لأنكم استمعتم إلينا. وشكراً لأنكم استودعتم لبنانَ رسالةَ السلام».
أضاف «أنا بدوري أقولُ لكم بأننا سمعنا رسالتَكم. وأننا سنستمرُ في تجسيدِها، ومع شكرِنا، تظلُّ لنا أمنيةٌ، وهي أن نكونَ دائما في صلواتِكم، وأن تتضمّن عظاتُكم لكلِّ مؤمنٍ ومسؤولٍ في هذا العالم، التأكيدَ على أنَّ شعبَنا شعبٌ مؤمنٌ يرفض الموتَ والرحيل، شعبٌ مؤمن قرر الصمودَ بالمحبةِ والسلامِ والحق. شعبٌ مؤمنٌ يستحقُ الحياةَ وتليقُ به. وإذ نودّعكم، لا نودّع ضيفا كريما فحسب، بل نودّع أبا حمل إلينا طمأنينةً، وذكّرنا بأن العالم لم ينسَ لبنان، وأن هناك من يصلّي لأجله ويعمل من أجل السلام».
نداء البابا
وفي كلمته في اختتام زيارته، أطلق البابا لاون نداء قويّاً عن ضرورة وقف الاقتتال. وقال بغصّة «المغادرة أصعب من الوصول، كنّا معا، وفي لبنان أن نكونَ معاً هو أمرٌ مُعدٍ . وجدتُ هنا شعباً لا يحبُّ العَزلَةَ بل اللقاء. فإن كانَ الوصولُ يعني الدخول برفق في ثقافتِكم، فإنَّ مغادرة هذه الأرض تعني أن أحملكم في قلبي. نحن لا نَفتَرِق إذًا، بل بعدما التقينا سنمضي قُدُما معا. ونأمل أن نُشرِكَ في هذا الرّوح من الأخوة والالتزام بالسّلام، كلَّ الشَّرِقِ الأوسط، حتّى الذين يعتبرون أنفسهم اليوم أعداء.
لذا أشكرُ لكم الأيَّامَ التي قضَيتُها بينكم، ويسرني أنّني تمكّنتُ من تحقيق رغبة سَلَفِي الحبيب، البابا فرنسيس، الذي كان يتمنَّى كثيرا أن يكون هنا. إنّه في الحقيقة موجود معنا، ويسيرُ معنا مع شهودٍ آخرين للإنجيل، الذين ينتظروننا في عناق الله الأبدي : نحن ورثةٌ لِما آمنوا به، ورثةُ الإيمان والرّجاءِ والمحبّة التي ملأتهم.
رأيتُ الإكرام الكبير الذي يَخُصُّ به شعبُكم سيّدتنا مريم العذراء، العزيزة على المسيحيين والمسلمين معا . وصلَّيتُ عند ضريح القديس شربل، فأدركتُ الجذور الرّوحيّة العميقة لهذا البلد: الرّحِيقُ الطَّيِّبُ فى تاريخكم يَسنِدُ المسيرة الصعبة نحو المستقبل !
أثَّرَت في زيارتي القصيرة إلى مرفأ بيروت، حيثُ دَمَّرَ الانفجارُ ليس المكانَ فحسب، بل حياة الكثيرين. صلَّيتُ من أجل جميع الضحايا، وأحمل معي الألم والعطش إلى الحقيقة والعدالة للعائلات الكثيرة، ولبَلَدِكم بأكمله».
أضاف: «التقيتُ في هذهِ الأيام القليلة وجوها كثيرة، وصافحت أيدِيا عديدة، مُستَمِدًّا من هذا الاتصال الجسدي والداخلي طاقة من الرّجاء. أنتم أقوياء مِثل أشجار الأرز، أشجار جبالكم الجميلة، وممتلئون بالثَّمار كالزيتون الذي ينمو في السهول، وفي الجنوب وبالقُرب من البحر . أُحيِي جميع مناطِقِ لبنان التي لم أتمكَّن من زيارتها : طرابلس والشمال، والبقاع والجنوب، الذي يعيش بصورة خاصّةٍ حالة من الصراع وعدم الاستقرار. أعانقُ الجميع وأرسل إلى الجميع أماني بالسّلام».
وأُطلق البابا نداءً : «لِتَتَوَقَّف الهجمات والأعمال العدائية. ولا يظِنَّ أحد بعد الآن أنّ القتال المسلّحَ يَجلِبُ أي فائدة. فالأسلحة تقتل، أمّا التفاوض والوساطة والحوارُ فتَبني. لِنَختَر جميعا السّلامَ وليَكُن السّلامُ طريقنا، لا هدفًا فقط ! لِنَتَذَكَّرُ ما قاله لكم القدّيس البابا يوحنا بولس الثاني: لبنانُ أكثرُ من بلد إنّه رسالة ! لِنَتَعلَّمْ أن نعمل معاً ونرجو معا لِيَتَحَقَّق ذلك. بارك الله شعب لبنان، وجميعكم، والشرق الأوسط، وكلَّ البشريّة ! شكراً وإلى اللقاء».
استقلّ الطائرة ...وغادر
وبعدما انتهى قداسته من القاء الكلمة، توجه الى سلم الطائرة، يرافقه الرئيس عون واللبنانية الاولى، محيياً المؤمنين الموجودين على أرض المطار. ثم استقل الطائرة منهياً زيارته التاريخية الى لبنان.
وسمعت أصوات الطائرات «الإسرائيلية» تعود إلى التحليق في الأجواء اللبنانية. فهل سيبقى الوضع في لبنان كما كان عليه بعد زيارة البابا وإطلاق ندائه، على غرار ما كان عليه قبله؟ أم سيحصل التغيير بضغط دولي؟!
البابا في رسالة لعون من على متن طائرته: أؤكد لكم
صلاتي المستمرّة من أجل سلام ووحدة وازدهار الوطن
أشار البابا لاون الرابع عشر، في رسالة للرئيس جوزاف عون من على متن طائرته بعد مغادرته لبنان، إلى أنّ "عند عودتي إلى روما في ختام رحلتي الرسولية، أودّ أن أعرب مرة أخرى عن بالغ امتناني لكم، وللسلطات وشعب لبنان على الترحيب الحار الذي حظيت به خلال زيارتي".
ولفت إلى "أنني أؤكد لكم صلاتي المستمرة من أجل سلام ووحدة وازدهار الوطن".
شمعة وصلاة صامتة
في موقع انفجار بيروت
في موقع انفجار مرفأ بيروت، قام البابا بوقفة صلاة صامتة عن أرواح ضحايا انفجار مرفأ بيروت ، ومن اجل شفاء القلوب المجروحة، واضاء شمعة أمام النّصب التذكاري الّذي يحمل أسماء ضحايا الانفجار، كما وضع إكليلاً من الورد الأحمر. وجال في أنقاض المرفأ يرافقه رئيس الحكومة تمام سلام وعدد من الرسميين.
كما التقى في لحظة مؤثرة اهالي الشهداء وواساهم، وأبدى تعاطفه الشديد معهم، واستمع منهم الى معاناتهم وألم خسارتهم. وقدم لهم هدية رمزية هي عبارة عن علاّقة مفاتيح طبعت عليها صورته.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:55
قصف مدفعي إسرائيلي شمال شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة
-
23:54
بقائي: يجب حث الدول المعنية على الكف فوراً عن السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها كمنصات انطلاق للعدوان على إيران
-
23:54
بقائي: من غير المسؤول إطلاقاً لوم إيران على دفاعها عن سيادتها مع التقاعس عن محاسبة المعتدين على انتهاكهم للقانون الدولي
-
23:45
ارتفاع حصيلة زلزالي فنزويلا إلى 4490 قتيلا
-
23:45
رئيس المجلس الأوروبي: إرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أرسى دعائم الشراكة القوية بين الاتحاد الأوروبي ودولة قطر
-
23:45
الديوان الأميري القطري: إعلان الحداد العام في كافة أنحاء الدولة على فقيد الوطن الكبير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني 4 أيام اعتبارا من الأحد
