اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب
نطلاقاً مما قاله لنا مسؤول بارز في حزب الله من أن لبنان (والشرق الأوسط بأسره) تحت الوصاية الأميركية، وأن واشنطن تدعم كل خطوة تقوم بها "إسرائيل" على أرضه، وقد تابعنا وما زلنا نتابع مسار الامدادات العسكرية الأميركية اليومية، والتي حملت جدعون ليفي على القول في "هاآرتس" : "لولا هذه الامدادات، لكان علينا أن نقاتل بالعصي والحجارة"...

لا أحد يشك في أن الحزب تمكن في عام 2000 من تحقيق تلك المعجزة الفذة، بقهر القوة التي لا تقهر، بحيث بدا خروج "القوات الإسرائيلية" من الجنوب، وكما قال رئيس الوزراء آنذاك الجنرال ايهود باراك، لكأنه الخروج من جهنم. والآن لولا الطائرات الإسرائيلية التي احترفت قتل المدنيين، واغتالت القيادات السياسية العسكرية للحزب، لما شن بنيامين نتنياهو الحرب، وهو الذي عجزت المئات من دباباته وعشرات آلاف من جنوده، من احتلال بلدة واحدة في الجنوب، بالرغم من الاختلال الهائل في موازين القوى، وحتى في الظروف التي كانت أكثر من مستحيلة لرجال المقاومة .

قد تكون المشكلة الأولى، المشكلة الدرامية للحزب، أن القوى الداخلية أكثر عداء له من "القوات الإسرائيلية". هذه القوى كلها تدعو علناً الى السلام مع "إسرائيل" (سلام القاتل والقتيل). ولطالما قلنا ان بنيامين نتنياهو يلعب بنقاط ضعفنا. تصدع سياسي وطائفي يكاد يفجر الحرب الأهلية في أية لحظة، وسقوط مالي كرّس ثقافة التسول أمام القصور أو أمام الصناديق. اذاً، لماذا لا يدع حزب الله اللعبة تمضي الى نهايتها، لكي تسقط ورقة التوت عن وجوه أولئك الذين يدفعون في اتجاه المفاوضات، ولو عراة مع الذئاب.

لا بد، وقد حاول الرئيس جوزف عون، إن بفعل الضغط الأميركي أو العربي أو بفعل الخوف من الأعظم، أن يكسر الحلقة المقفلة، أن نضع أمامنا التجربة السورية التي تجعلنا ندرك الى أين يمكن أن تذهب بنا المفاوضات، بعد التخلي عن الورقة القوية، ورقة المقاومة. الرئيس أحمد الشرع الذي يحتضنه الرئيس دونالد ترامب شخصياً ( والى حد السماح له بالنوم في فراشه كما يقول المعلق الساخر باسم يوسف)، والذي لم يعترض بكلمة واحدة عندما كانت القاذفات الإسرائيلية تعري بلاده حتى من عظامها، وتقصف مبنى هيئة الأركان، كما أنه أعلن أمام الملأ عدم عدائه "لإسرائيل"، واجراء مفاوضات مباشرة معها في أذربيجان وفي فرنسا. ما كانت النتيجة ؟ سلام شامل دون التخلي عن الجزء السوري من جبل الشيخ، وكذلك عن المنطقة العازلة، وإعلان الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح، ما يعني إبقاء دمشق دون أية أسوار!

كل هذا، والقضم اليومي متواصل للأراضي السورية، بذريعة التوجس من الفصائل الإرهابية، مع أن نتنياهو على بيّنة مما تقوم به الفصائل لتفكيك سوريا طائفياً واثنياً، من خلال المذابح التي ارتكبتها بحق الأقليات، وكانت في صدد اكمال مهمتها لدى أقليات أخرى، لولا البطاقات الحمراء التي رفعها الأميركيون والأوروبيون وحتى الروس، حتى قيل ما على الأقليات المستهدفة حتى الآن، بموجة "سبي" النساء على الطريقة الجاهلية، وحتى الإسلامية، الى أن تلجأ الى الصين. لكن التنين على ما يبدو، يغفو على الصدر الأميركي...

الآن، ثمة "ذريعة إسرائيلية"، وهي أن كل مواطن جنوبي عاشق لأرضه، ولأزهار اللؤلؤ في أرضه، ناهيك عن قبور آبائه وأبنائه في أرضه، هو إرهابي ومقاتل في حزب الله، فهل يفترض ذلك توسيع المنطقة العازلة حتى الزهراني أو حتى الأولي ؟ بعدما كانت محصورة حتى الليطاني (لاحظوا عقدة الأنهار في الليتورجيا اليهودية مثل من النيل الى الفرات ومن البحر الى النهر). في كل الأحوال لا نتصور أن وضع الجنوب اللبناني، سيكون مختلفاً عن وضع الجنوب السوري، لتكون بيروت أيضاً من دون أسوار .

وكنا قد لاحظنا مدى التفاهة، ومدى العدائية، في الديبلوماسية - والاستراتيجية - الأميركية لكل من يقف في وجه "الجنون الإسرائيلي". من الحجج التي طرحها ماركو روبيو لشن الحرب على فنزويلا، أنها تحولت الى قاعدة لحزب الله. وعلينا أن نتصور في ضوء ذلك، أنه عندما يطأ الأميركيون سطح المريخ، سيفاجؤون بأن مقاتلي الحزب حفروا الخنادق هناك...

وكانت الأجواء تشير بعد قرار تعيين السفير السابق سيمون كرم، رئيساً للوفد اللبناني الى مفاوضات "الميكانزم"، بالرغم من كونه أحد مؤسسي فريق "قرنة شهوان"، ومن عدائه الشديد لكل ما يمت بصلة الى حزب الله، الى أن المفاوضات ستكون غير مباشرة وتنحصر في الاتفاق التقني، لنفاجأ بقول المتحدثة باسم "الحكومة الإسرائيلية" شوش بدروسيان "ان اجتماع اليوم – الأربعاء – محاولة أولية لوضع أساس لعلاقة وتعاون اقتصادي بين "إسرائيل" ولبنان"، لتضيف "لا شك أن هذا الاجتماع المباشر قد تم نتيجة لجهود بنيامين نتنياهو لتغيير الشرق الأوسط".

مكتب نتنياهو أعلن بعد ذلك أن "الاجتماع عقد في أجواء إيجابية، وتم الاتفاق على بلورة أفكار لتعزيز تعاون اقتصادي محتمل بين "إسرائيل" ولبنان"، مشدداً على أن "نزع سلاح حزب الله أمر لا مفر منه". وهذا ما يثير الأسئلة حول ما جرى ويجري بعيداً عن الضوء أو في الظلام، اذ كيف لوفد في مهمة تقنية تتعلق بوقف النار، أن ينتقل هكذا للبحث في المسألة الاقتصادية؟

حتماً حزب الله لا يريد الحرب مع "إسرائيل"، بعدما أظهرت الحرب الأخيرة أنه يقف وحيداً في الخندق لمؤازرة غزة. ولكن اذا كان لبنان، بحكم الأمر الواقع تحت الوصاية الأميركية، لا يمكن أن يكون تحت "الوصاية الإسرائيلية"، من خلال القبول بشروط الائتلاف اليميني التي هي شروط توراتية، بانتظار كلمة الشيخ نعيم قاسم اليوم، لنقول للشيخ الصديق، دع العملية الديبوماسية تأخذ مجراها، بعدما لاحظنا ما تفعله "إسرائيل" بنا بعد اتفاق وقف العمليات العدائية، وبالفلسطينيين بعد الموافقة على خطة دونالد ترامب، وبالسوريين بعدما رفعوا الرايات البيضاء، وحتى الرايات الزرقاء(نجمة داود) أمامها.

الكوميديا الديبلوماسيىة – الكوميديا السوداء – تبدأ من هنا. تعاون اقتصادي بين الدولة اللبنانية الخاوية الوفاض، والدولة العبرية بامتدادها الأخطبوطي من وول ستريت في نيويورك، الى ساحة باترنوستر في لندن، والى حي اينينشتات في فرنكفورت. لكأن المطلوب ليس فقط أن يسحقنا "الحاخامات" عسكريا وسياسياً فقط ، اقتصادياً ومالياّ أيضاً ... ولتكن مفاوضات الظلام بيننا وبينهم...

الأكثر قراءة

لتعزيز جسور التواصل مع إعلاميي المهجر.. «العامة للاستعلامات» تجدد اعتماد الصحافية ريتا واكيم