اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب



ما الذي جعل توم براك يتخلى عن وجه الغراب، ولغة الغراب؟ هو اللبناني الأصل الذي يتعامل مع لبنان، كما لو أنه ظاهرة طفيلية على خارطة الشرق الأوسط. حيناً يهددنا بعصا "يهوذا"، وحيناً بازالتنا من الوجود. ثم بالحاقنا ببلاد الشام، أو بربطنا بالسلاسل والقائنا في المتوسط. كل ما تفوه به يشي بضحالة الثقافة الديبلوماسية. وزير خارجية لبناني سابق رأى فيه المثال في... ديبلوماسية الأزقة!

الآن، بمنتهى الواقعية يقول ما قلناه سابقاً، "إسرائيل لن تتمكن من تحقيق أهدافها بمحاولة سحق حزب الله"، ليضيف "ان الجيش اللبناني لن ينزع سلاح شريحة كبيرة من الشعب بالقوة". هل قيل هذا لبنيامين نتنياهو وعشاقه على الشاشات وعلى الأراضي اللبنانية؟

لا شك أن الهاجس الأساسي لواشنطن هو سوريا، وحيث كانت المفاجأة العاصفة بردات الفعل الشعبية على عملية بيت جن، كما لو أن السوريين استفاقوا من الغيبوبة التركية، أو من الغيبوبة الأميركية، وحتى من الغيبوبة الاسرائيلية. صدمة المبعوث الأميركي الذي راح يدور حول نفسه بين أنقرة وبغداد و"تل أبيب"، التي يبدو أنها من تتولى تخريب الدور الأميركي في سوريا، بذلك الانتهاك اليومي لأراضيها، فيما تقول دمشق (لاحظوا العنفوان في كلام مسؤوليها) انها تعطي الأولوية للتنمية، أي أن ما تقوم به القوات الإسرائيلية من قتل واعتقال مواطنين سوريين، فضلاً عن قضم الأراضي، مسألة مؤجلة ربما حتى تتجول دبابات ايال زامير في حارات دمشق. أي تنمية تلك، وأي سلطة، حين يكون الخنجر في الخاصرة؟

السلطة السورية في حالة ضياع. نعلم كيف تم تركيبها كما يتم تركيب مسرح الدمى. رجب طيب اردوغان، وهو العراب المباشر، في حال من البارانويا، بعدما منعه بنيامين نتنياهو باصبعه من الظهور في دمشق، أكان على صهوة حصان السلطان أم على ظهر دجاجة. ذلك السيناريو الذي وضع بدقة، تزامناً وتداخلاً مع الحرب ضد لبنان، كما تم تنفيذ حلقته الأخيرة بمنتهى الحرفية، انتهى عند باب نتنياهو الذي لا يمكن أن يقبل بالحمولة التوراتية، بناء دولة قوية، ولو اقتصادياً في سوريا، ما دامت عقدة "ذئاب الشمال" تحكم "الحاخامات" مثلما تحكم "الجنرالات".

لنرى ما هو رأي واشنطن في المشهد. كلام خطير نقله موقع "اكسيوس" عن مسؤولين أميركيين أعربا عن قلقهما من أن الغارات الإسرائيلية داخل سوريا "تهدد بزعزعة استقرار البلاد، وتقويض آمال التوصل الى اتفاق أمني بين "تل أبيب" ودمشق"، ليقول أحد هذين المسؤولين "اننا نحاول اقناع بيبي بوقف هذا، لأنه اذا استمر سيدمر نفسه بنفسه"، مضيفاً بأنه بالسياسات الراهنة "سيفقد فرصة ديبلوماسية ضخمة، ويحول الحكومة السورية الى عدو..."

وقال "ان سوريا ليست مثل لبنان، فهي لا تريد مشاكل مع "إسرائيل" (هل يفهم الأميركيون هكذا موقف لبنان ؟)، هذا ليس لبنان. لكن نتنياهو يرى أشباحاً في كل مكان". وكان معلقون يمينيون في "إسرائيل"، قد رأوا "ان البعض في إدارة ترامب والذين تعوزهم النظرة البعيدة المدى الى "أشياء الشرق الأوسط"، لم يفكروا يوماً في التداعيات الخطيرة للوجود العسكري التركي عند الحدود الإسرائيلية"!

وكان أن ردات الفعل الشعبية، بما في ذلك ردة فعل بعض الفصائل التي تشكل النواة الصلبة (أو النواة الضائعة) للسلطة، على العملية البطولية في قرية بيت جن، وكذلك على المجزرة التي نفذتها "القوات الإسرائيلية" هناك، قد أثارت المخاوف في واشنطن من "عودة النيران الى رؤوس السوريين"، ما يعني سقوط الرهان الأميركي على احتواء سوريا التي يمكن، وفي ظل الضبابية التي تسود المنطقة، أن تتحول الى قاعدة أميركية بالغة الأهمية على الصعيد الجيوستراتجي .

لا يمكن الا أن تكون هناك فروقات تكتيكية واستراتيجية، أحياناً بين النظرة الأميركية و"النظرة الإسرائيلية" الى سوريا، التي اذا التحقت بما يدعى "اتفاقات ابراهام" يسقط لبنان تلقائياً في السلة (أي سلة؟)، والمهم ان الأمير السعودي محمد بن سلمان سيجد نفسه داخل الحصار، بعدما اشترط للتطبيع إقامة الدولة الفلسطينية، الأمر المستحيل للدولة العبرية التي ترى في تحقيق ذلك، وكما قال بسلئيل سموتريتش "وضعنا جميعاً بين أنياب البرابرة".

وكانت صحيفة "الرياض" السعودية قد نشرت منذ أيام قليلة. مقالة هامة جاء فيها "ان عملية التطبيع لا يمكن أن تمر دون حل الدولتين. والرئيس دونالد ترامب الذي استقبل ولي العهد السعودي في وشنطن، هو الأكثر ادراكاً بأن التطبيع ليس عملية تؤخذ في المناسات واللقاءات، وهو يدرك أن السعودية طرحت مسار التطبيع، ولكن بشرط أساسي انها تريد أن يمر عبر دولة فلسطينية مستقلة".

عبارات أخرى هامة وردت في المقال تعليقا على كل كلام لترامب "كيف سيكون هناك مستقبل للشرق الأوسط منفصلاً عن مستقبل القضية الفلسطينية". "فكرة أن إسرائيل تأخذ دون أن تعطي انتهت في قاموس السياسة العربية". ما هو اهم قول الصحيفة ان أميركا "تدرك أن التطبيع بين السعودية و"إسرائيل" الضمان الوحيد لتغيير ديناميكيات الشرق الأوسط على جميع المستويات، سواء الجيوسياسية، حيث ستجد "إسرائيل" مكانتها الدائمة في المنطقة... أما جغرافياً فستكون دولة من الشرق الأوسط".

نعود الى لبنان، أركان في السلطة يرون أن كلام حزب الله القائل ان قرار الحرب والسلم في يد الدولة "يعني أنه أناط بالدولة أن تفعل ما تراه مناسباً للخيار، الذي يضمن سيادة لبنان ومصلحة لبنان. ومثلما هناك مقتضيات للحرب التي باتت مستحيلة بالنظر الى الاختلال في توازنات القوى، هناك مقتضيات للسلم الذي طريقه معروفة، وتمر حتماً عبر المفاوضات أياً كان شكل هذه المفاوضات".

هل يمكن الرهان على الخلاف بين واشنطن و"تل أبيب" – وهذا ما يعكسه كلام براك وهو كلام البيت الأبيض - في الخروج من الدوامة الراهنة ؟ ولكن ما بدا من تصريحات نتنياهو تعقيباً على ما نقله موقع "اكسيوس"، أنه لا يعبأ باللاءات الأميركية ليمضي في تغيير الشرق الأوسط على طريقته، وان كان الطريق الى تدمير الذات؟

اذاً، الاستسلام من أجل السلام. مثلما تريد "تل أبيب" من سوريا دولة تابعة او دولة ميتة، كذلك تريد من لبنان. اذا كانت الحرب مستحيلة، فذلك النوع من السلام أكثر من أن يكون مستحيلاً. في كل الأحوال هذا شهر ديبلوماسي حافل. ما علينا سوى الدعاء... لمن...؟!

الأكثر قراءة

لتعزيز جسور التواصل مع إعلاميي المهجر.. «العامة للاستعلامات» تجدد اعتماد الصحافية ريتا واكيم