اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بعد أن أنهت بيروت ملفَي ترسيم الحدود البحرية مع نيقوسيا أخيراً (في 26 تشرين الثاني الفائت)، وقبلها مع "تلّ أبيب" (بوساطة أميركية في 27 تشرين الثاني من العام 2022)، تبدو الورقة السورية أمام لبنان كأهمّ فصل متبقٍ في معادلة تثبيت الحدود البحرية شمالًا. والنقطة الجوهرية في هذا الملف، أنّ الترسيم ليس مجرد مسألة خطّ على الخريطة، بل يحكمها مزيج من الأمور التقنية والفنية التي تتعلّق بحساب المساحات البحرية (نقاط ارتكاز، مناهج حسابية)، ومن اعتبارات سياسية وأمنية إقليمية.

إلى ذلك، تبقى مسألة ترسيم الحدود البرية والبحرية عالقة حتى الساعة. وتتجه الأنظار إلى مزارع شبعا وكيف سيتمّ حسم هويتها النهائية، وسط غموض يكتنف الموقف السوري، ربطاً بالتطورات الإقليمية، والحديث عن توجه سوري لإعلان تلك المزارع المحتلة سورية الهوية.

وبعد أن دخلت الوساطة الدولية على الخط، لا سيما من قبل فرنسا للمساعدة في الإتفاق على الخطوات التقنية الفعلية، تتجه الأمور، على ما تقول مصادر سياسية مطلعة، إلى البحث الجدي في هذا الملف. غير أنّ الطريق إلى الإتفاق النهائي لا يزال حتى الساعة محفوفاً بتعقيدات عديدة، لا بدّ من إيجاد الحلول الجذرية لها.

فبعد أن أتمّ لبنان ترسيم منطقته الاقتصادية الخالصة جنوباً وغرباً، على ما تضيف المصادر، تبقى سوريا الدولة المجاورة الوحيدة التي لم يتم رسم حدود بحرية معها رسمياً. وكان لبنان قد تسلّم في أيّار الماضي من السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو، خرائط ووثائق أرشيفية تعود إلى عهد الانتداب، وتشكّل أساساً مرجعياً قانونياً يمكن البناء عليه، الامر الذي أعطى أملا في أن تكون هذه الوثائق محورية لبدء مفاوضات جدية مع سوريا، غير أنّه لم يحصل أي تقدّم في هذا الملف.

لهذا أعادت آن كلير لوجاندر، مستشارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارتها الأخيرة إلى لبنان في 13 تشرين الثاني المنصرم، التأكيد على استعداد بلادها لتقديم كلّ الوثائق والخرائط اللازمة، للمساعدة في ترسيم الحدود البرية بين لبنان وسوريا، وعرضت إدارة وساطة بين البلدين. وقامت بلقاءات مع مسؤولين لبنانيين، كما غادرت إلى دمشق لمتابعة المباحثات مع الجانب السوري.

وتشير المصادر إلى أنّ أهمية الدور الفرنسي في الوساطة بين لبنان وسوريا، تكمن في كونها تمتلك الأرشيف والخرائط التاريخية للحدود، وهذا يعني أنّها تُقدّم اليوم الدعم التقني والوثائقي المطلوب، لإنهاء مسألة النزاعات الحدودية شمالاً. ويهدف هذا الجهد الفرنسي إلى تقريب وجهات النظر بين البلدين، تمهيداً إلى رعاية حوار مباشر، أو عقد اجتماع ثنائي برعاية الأمم المتحدة.

ويأتي هذا المسعى الفرنسي في سياق جهود أوسع لدعم استقرار لبنان وتعزيز مؤسسات الدولة، لا سيما في ظلّ التوترات الأمنية المستمرّة على الحدود الجنوبية. وفي ما يتعلّق بالموقف اللبناني أوضحت المصادر السياسية أنّ لبنان أبدى استعداده الكامل لمعالجة هذا الملف بشكل نهائي، معوّلاً على المواقف الإيجابية المعلنة من قبل سوريا، للمضي في البحث في كلّ الملفات العالقة بين البلدين.

يبقى تحديد موعد الاجتماع الذي تحضّر له فرنسا، لبدء العمل الفعلي على المفاوضات التقنية والقانونية، بعد موافقة الأطراف المعنية. هذه المحادثات التي قد تفضي إلى التوصّل إلى اتفاقية ترسيم حدودية بين البلدين.

ويمكن القول بأنّ الترسيم بات اليوم على الطاولة الرسمية لأول مرّة بجديّة، على ما تلفت المصادر، وقد بدأ ذلك مع اللقاءات التي عُقدت بين رئيسي البلدين، وبين عدد من المسؤولين اللبنانيين والسوريين، واتفاق الدفاع الأمني بين وزيري دفاع البلدين في جدّة برعاية سعودية.

فما الذي تمّ إنجازه حتى الساعة في ملف الترسيم بين البلدين؟ تجيب المصادر السياسية بأنّه حصلت مجموعة أمور مهمّة، أبرزها:

- أولاً: إقرار رسمي بضرورة وضع ملف ترسيم الحدود "قيد التنفيذ للمرة الأولى".

- ثانياً: تسليم الخرائط الأرشيفية من قبل فرنسا إلى الدولة اللبنانية.

- ثالثاً: اعتراف المسؤولين اللبنانيين والسوريين بضرورة ترسيم الحدود بين البلدين. وقد تطرّقوا إلى أن أي الترسيم البحري، يُفترض أن ينطلق من نقطة الأساس البرّية المشتركة.

غير أنّ المصادر تؤكّد بأنّ الحدود البريّة لا تزال "عالقة عند التعيين والتحديد". أمّا الخرائط الأرشيفية والأوراق الوثائقية التي طلبتها بيروت، وقدّمتها فرنسا في محاولة لتقريب المواقف وتوفير مرجع حيادي للتفاوضات البحرية والبرية، فقد أعادت ملفّ مزارع شبعا وإنقسام الخرائط إلى الواجهة، لأن أي محاولة لترسيم البحر شمالًا ، لا يمكن فصلها تماماً عن المسألة البرية التي تعرّضت لامتدادات تاريخية وجغرافية متشابكة بين لبنان وسوريا.

أين أصبح الملف عمليّاً؟ تشير المصادر الى أنّه تقنياً، الاتفاقات مع قبرص و"إسرائيل" حدّدت أطرافاً بحرية، أدت إلى تضييق المساحات المتنازع عليها قبالة السواحل اللبنانية، وهذا يجعل الحسابات مع سوريا أكثر وضوحاً من جهة الحدود الشمالية (أي أن الخطوط المرجعية اللبنانية أصبح لديها نقاط ارتكاز أُخرى)، لكن الخلاف لا يزال في المنهج: هل يعتمد الطرفان على قَطع متساوية (equidistance) ؟ أم على معايير "الظروف الخاصة" التي قد تعطي أولوية لامتدادات الساحل أو دلائل تاريخية؟ والقرار هنا فني لكنه يتسلّل سريعاً إلى السياسة.

فهل ستشمل المفاوضات الترسيم البرّي في جنوب لبنان (أي مزارع شبعا وتوابعها)؟ تجيب المصادر: ممكن، لكن الأمر ليس مضموناً. فمزارع شبعا تشكّل عقدة رمزية واستراتيجية، وأي إدراج رسمي للمزارع في ملف الترسيم البحري، فأمر محتمل سيناريوهياً، لكنه يتطلّب قراراً استراتيجياً وسياسياً من البلدين، وربما تنازلات أو صفقة إقليمية تربط هذا الملف بمقايضات أمنية أو ديبلوماسية أوسع. وهذا ما قد يطيل الزمن أو يجبر الأطراف على فصل الملفات مرحلياً.

كما أنّ نجاح الترسيم مع سوريا، وفق المصادر، يرتبط بثلاثة شروط متزامنة هي: إتفاق فنّي بين الخبراء على منهجية الحساب، وتسوية سياسية بين دمشق وبيروت (أو على الأقل تفاهمات إقليمية تسمح بالتقدم)، واستقرار نسبي في الساحة الأمنية يحدّ من مخاطر تعطيل الاتفاقات.

الأكثر قراءة

ليلة القبض على دونالد ترامب