اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم "يحلم" الأوروبيون يوماً أنهم سيعيشون "كابوساً" كالكابوس الذي إسمه دونالد ترامب!

ومن غير المبالغ فيه، باللغة الديبلوماسية، القول إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "يجنن" قادة أوروبا!

فالثلاثي الأوروبي الأساسي، أي فرنسا وألمانيا وبريطانيا أقام ركيزة أوروبية، في الفترة الأخيرة، على الرغم من البريكست، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لمواجهة الرئيس ترامب!

"بق" المستشار الألماني فرديريتش ميرتز "البحصة" معلناً نهاية "السلام الأميركي" في أوروبا!

*بين الطموح والواقع!*

يعكس المستشار ميرتز أفكار قادة أوروبا لجهة إدراكهم أن الرئيس ترامب هو (كما كررت مراراً منذ ما قبل انتخابه) اقرب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين منه لقادة أوروبا!

ومع ذلك، يسارع الأمين العام لحلف الأطلسي (الناتو) مارك روته للتأكيد أن الرئيس ترامب ملتزم بحلف الاطلسي، وبالدفاع عن أوروبا، مذكراً الجميع، ومن خلفهم الرئيس ترامب، أن الأوروبيين قد التزموا برفع مستوى تمويلهم لحلف الناتو الى 5% من الناتج المحلي لكل منهم!

وذلك، كما طالبهم، وضغط عليهم، الرئيس ترامب، مهدداً إياهم بخروج الولايات المتحدة الأميركية من الناتو!

ولكن هذا المستوى من التمويل هو بالفعل، بعيد عن التحقق بسبب الكوارث الاقتصادية التي تعانيها معظم الدول الأوروبية، وفي طليعتها بريطانيا وفرنسا مع أكثر من 4 تريليون يورو من الديون لبريطانيا، وأقل بقليل من 4 تريليون يورو من الديون لفرنسا، حتى الآن!

علماً ان ايطاليا وإسبانيا والبرتغال تليهما في الديون. وحتى الصناعة الألمانية تعاني الأمرين بسبب الابتعاد عن الغاز الروسي!

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة البريطاني كيم ستارمر يقومان بالتنسيق مع ميرتز لتأسيس "جيش أوروبي"، أو لاعتماد سياسة دفاعية أوروبية موحدة خارج الناتو، أي من دون الأميركيين... ولكنهم يدركون استحالة ذلك!

فالأوروبيون غير قادرين على تشكيل وتمويل وتجهيز "جيش أوروبي" جديد، خارج عن "الناتو"، وبالتالي خارج عن الأميركيين!

والأوروبيون غير قادرين على مواجهة روسيا وحدها عسكرياً أو اقتصادياً، من دون الأميركيين! وبالتالي، فهم غير قادرين على مواجهتها متحالفة مع الصين، وبشيء من المبالغة، مع... الأميركيين!

يضيف مارك روته أيضاً أن الرئيس ترامب وحده قادر على إقناع روسيا بالتوصل الى السلام مع أوكرانيا! وهو بذلك يؤكد عجز الأوروبيين عن تحقيق هذا السلام!

فقد نجح الرئيس ترامب بتظهير دوره كوسيط لإنهاء الحرب! في حين "سقط" الأوروبيون في "دوامة" حرب تستنزف طاقاتهم الإقتصادية واللوجستية، بالإضافة الى الانهيارات السياسية الداخلية، من دون أي أفق لهذه الحرب، ومن دون النجاح في تأمين صمود الجبهات الأوكرانية على الأقل!

كل ذلك، من دون الكلام عن استحالة استعادة الأوكرانيين، والأوروبيين من خلقهم، ولو لامتار قليلة، من الأراضي التي يقضمها الجيش الروسي كل يوم!

خطوة الى الأمام، ثم خطوة الى الوراء!

يريد الأوروبيون الخروج من العباءة الأميركية! ولكنهم غير قادرين على ذلك... بعد! وشتان بين الطموح والواقع!

*تجارب الأوروبيين المحبطة مع ترامب!*

اختبر الأوروبيون الرئيس ترامب في مفاوضات الحرب الروسية - الأوكرانية. واختبروه في قضية الضرائب الجمركية، واختبروه في قضية تمويل الناتو.

واختبر الأوروبيون الرئيس ترامب في الشرق الأوسط. وهم اختبروه أيضاً في مطامعه في كندا وغرينلاند الدانمركية. وهم يختبرونه حالياً في فنزويلا... وهم يدركون، والكل يدرك أن الرئيس ترامب هو أقرب لما يشبه العداء للأوروبيين منه لصداقتهم! أو على الأقل لصداقة بالإخضاع!

والأوروبيون، الذين يعرفون جيداً شخصية الرئيس ترامب، يغدقون عليه بالمديح "الكاذب" علناً قبل أن يذهبوا لتعطيل مبادرته لوقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا، بسبب تأمينها مصالح روسيا أكثر منها مصالح أوكرانيا!

ومحاربة الرئيس ترامب، وصلت بقادة أوروبا، بتضليل شعوبهم بالإدعاء أن الرئيس بوتين ينوي غزو أوروبا! وأنه يجب التحضر للحرب، وللموت في هذه الحرب! في حين أنه ليس هناك أي مؤشر لذلك، وأن كل المؤشرات تقول إن حرب الرئيس بوتين في أوكرانيا تقف على حدود منطقة الدونباس!

فهل تدخل مواجهة الرئيس بوتين في إطار محاربة الرئيس ترامب؟ أم المقصود من مواجهة الرئيس ترامب هو محاربة الرئيس بوتين؟!

"مش ظابطه" مع الأوروبيين في أي من الاتجاهين! إن مصلحة الأوروبيين الحقيقية هي في التوصل الى السلام مع روسيا والاستفادة من الغاز الروسي؛ وهذا هو السبيل الأقصر لإنعاش الاقتصادات الأوروبية!

*محاولة "التمرد" الألماني على الأميركيين!*

أما "ثورة" ألمانيا ضد الولايات المتحدة على لسان مستشارها ميرتز حول نهاية السلام الأميركي في أوروبا، فيبدو وكأنها دخلت خانة زلات اللسان "المقصودة"، ولكن لا يمكن التعبير عنها!

وفي تفاصيل رؤية المستشار ميرتز حول "نهاية السلام الأمريكي" (Pax Americana)، فهو كرر في خطاباته الأخيرة أن أوروبا تواجه "واقعاً جيوسياسياً جديداً" لا مكان فيه للاعتماد الكلي على واشنطن.

وأبرز ما قاله يتلخص في النقاط التالية:

1- نهاية الحقبة المريحة: صرّح ميرتز بوضوح أن "عصر السلام الأمريكي (Pax Americana) الذي استمر لعقود قد انتهى"، مشيراً إلى أن المظلة الأمنية المجانية التي وفرتها الولايات المتحدة لم تعد مضمونة، خاصة مع سياسات إدارة ترامب الحالية التي تركز على "أمريكا أولاً".

2- التحول من "المستهلك" إلى "المنتج" للأمن: ويرى ميرتز أن على ألمانيا أن تقود أوروبا لتصبح قوة قادرة على حماية نفسها. إذ لم يعد الأمر برأيه يتعلق فقط بزيادة الإنفاق الدفاعي، بل بامتلاك "سيادة استراتيجية" تجعل أوروبا شريكاً نداً للولايات المتحدة وليس تابعاً لها.

3- التعامل مع روسيا وترامب: وقد تبنى ميرتز نبرة أكثر حزماً؛ فهو يرى أن قوة أوروبا هي السبيل الوحيد لإجبار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التفاوض (وهو ما عاكسه به أمين عام الناتو)، معتبراً أن هذه القوة هي أيضاً اللغة الوحيدة التي يحترمها ترامب.

وقد شارك ميرتز مؤخراً في محادثات برلين مع المبعوثين الأمريكيين للتفاوض على ضمانات أمنية لأوكرانيا تكون أوروبا هي الركيزة الأساسية فيها.

4- ألمانيا كقوة قيادية: شدد ميرتز في خطاباته الأخيرة أمام البرلمان الألماني(البوندستاغ) على أن "زمن التردد الألماني قد ولى"، وأن برلين تحت قيادته ستتحمل مسؤولية القيادة العسكرية والسياسية في القارة لملء الفراغ الذي تركه الانسحاب التدريجي للاهتمام الأمريكي.

يصف ميرتز هذا الوضع بالـ "تكتوني"! وهو بذلك يشير إلى أن التغيير ليس عابراً أو مرتبطاً برئيس أمريكي واحد، بل هو تحول عميق في هيكل النظام العالمي. هو يرى أن أمريكا وجهت بوصلتها نحو المحيط الهادئ (الصين)، وبالتالي فإن "السلام في أوروبا" يجب أن يُصنع الآن في "بروكسل وبرلين وباريس".

ومع ذلك، لم ينجح الأوروبيون... بعد، لا في قضية الضمانات الأمنية، ولا في قضية استعمال الاصول الروسية لإعادة إعمار أوكرانيا، على الرغم من قناعتهم أن السلام بين روسيا وأوكرانيا يمر بخسارة أوكرانيا لمنطقة الدونباس كلياً بعد القرم!

*سقوط الأوروبيين في "معركة" ألاسكا!*

يدرك الأوروبيون أن مبادرة الرئيس ترامب، المبنية على اتفاق قمة ألاسكا بين الرئيسين ترامب وبوتين، ما تزال هي أساس التفاوض لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا!

وما تزال هذه المبادرة مبنية على "الأفكار الواقعية" وعلى "التنازلات الموجعة" بالنسبة للأوكرانيين، وللأوروبيين من خلفهم!

400.000 دولار كانت قيمة الصاروخ الذي أطلقته طائرة ال F35 التابعة لحلف الناتو التي انطلقت من هولندا وأسقطت به درون روسي، غير هجومي، حلق مع 18 درون آخرى فوق بولندا، وقيمة هذا الدرون لا تتجاوز حفنة من مئات الدولارات!

وهذا المثل الصغير يوجز فقدان التوازن العسكري بين روسيا والأوروبيين! ويلزم الأوروبيين، وفي طليعتهم المستشار الألماني ميرتز مع محاولة "التمرد السيادي"، ولكن أيضاً الرئيسين ماكرون وستارمر، بالبقاء تحت مظلة "السلام الأميركي"... وذلك، حتى إشعار آخر!

الأكثر قراءة

أجــواء ضـبـابـيــة قـــبل مـفـاوضــات رومــــا جلسة تشريعية الأسبوع المقبل: زيادة الرواتب وإلغاء الإعدام والعفو العام