اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم يعد المشهد في المتن يشبه ما كان عليه قبل أربع سنوات. فالدائرة التي اعتادت تنافساً واضح الخطوط، تتّجه هذه المرة إلى سباق أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع القوى التقليدية مع البيوتات السياسية التقليدية، وسط تقدم ثابت للقوى "السيادية"، فيما يتحرك المستقلون وكأنهم يستعيدون شيئًا من زمن "المرشّح المستقل".

وسط هذه الصورة المتحرّكة، يظهر اسمان لافتان أكثر من سواهما: الياس بو صعب وابراهيم كنعان. كلاهما: خرج من التيار الوطني الحر، يملك رصيداً لا يُستهان به، ويخوض معركة حساسة، لأنّ المتن اليوم ليس ذلك الذي عرفاه سابقاً.

هذا وتتحضّر الكتائب والقوات لمعركة طويلة النفس. الأرقام التي سجّلها الطرفان في 2022 لم تكن مجرّد محطة عابرة، بل تحولت إلى قاعدة ثابتة يتعاملان معها على أنّها نقطة انطلاق، لا سقف. ماكينة انتخابية تعمل مبكرًا، خطاب مدروس موجّه لمزاج متني متأثر بالأزمة، ورغبة في توسيع التمثيل. كل ذلك يجعل محور القوات – الكتائب يقترب من صياغة "تحالف الممكن" ذات وزن انتخابي، يضم شخصيات ذات وزن سياسي وشعبي.

في المقابل، يستعيد آل المر حضورهم التقليدي. عودة لم تأتِ على شكل حملة دعائية صاخبة، بل عبر حراك هادئ، يذكّر المتنيين بأنّ هذه العائلة لم تغب فعلياً عن المشهد. فاسم ميشال المر، مدعوماً بخبرة والده إلياس وخدمات جده ميشال المر، ما زال قادرًا على جمع أصوات مختلفة المشارب، وهو أمر نادر في دائرة تقوم حساسيتها على الانقسامات الدقيقة بين الأحزاب والاتجاهات.

اما حزب الطاشناق، من جهته، فلم يبدّل كثيرًا من قواعد لعبته، حيث المقعد الأرمني الأرثوذكسي محسوم له منذ سنوات، ولا مؤشرات على تغيّر هذا الواقع، اذ ان ثبات الطاشناق يتجاوز الانتخابات نفسها، كونه جزءا من بنية المتن السياسية والاجتماعية، لا مجرد ضلع في لائحة.

قوى التغيير، بدورها، ليست امام مشهد ووضع سهلين.اكيد ان وجود كتلة اعتراض في المتن ليس موضع نقاش، خصوصا مع تضخم حجمها عن 2022. كتلة لم تعرف بعد كيف تجمع نفسها في لائحة واحدة. فإذا نجحت في ذلك، يمكن أن تظهر في المشهد النهائي، اما إذا تفرّقت، فسيذوب تأثيرها.

وسط كل هذا، يطلّ إبراهيم كنعان من موقع مختلف عمّا اعتاده خلال عشرين عاماً. فالرجل لم يعد مرشح التيار الوطني الحر، ولا محسوباً على جناحه السياسي، ولا مغطّى بقراره الحزبي، رغم ان خلافه مع رئيس الحزب جبران باسيل، لم يحوله الى خصم لجمهور التيار. هنا تكمن نقطة حساسة في معركة 2026: كنعان خرج من التنظيم، لكنه لم يخرج من ذاكرة جمهور التيار، ولا من احترام قسم واسع من قاعدته. "مسافة ذكية" تسمح له باستقطاب أصوات تفضيلية ما زالت تقدّر تجربته في اللجان النيابية، وفي المتابعة التقنية للملفات المالية التي قلّ أن يتولاها نائب لبناني بهذا القدر من المثابرة.

مع ذلك، لا يمكن القول إنّ الطريق أمامه سهلة. فالمتن اليوم مزدحم بالماكينات، التحالفات، والخطابات المتعارضة، حيث قدرة أي مرشح على الاندفاع وحده لا تكفي. من هنا حاجة كنعان إلى لائحة قادرة على بلوغ الحاصل، إلى توازنات دقيقة في القرى المارونية حيث تتوزع الولاءات، وإلى خطاب يمسك بالعصب من دون أن ينزلق إلى المزايدات. عناصر تجعل معركته صعبة، لكنها لا تحجب حقيقة أنه لا يزال من الأسماء القادرة على الوصول إذا استطاع إدارة اصواته التفضيلية بعناية بالإضافة الى خطاب إعلامي يحاكي يطال مجمل الشرائح الانتخابية في المتن.

على الخط نفسه، يخوض الياس بو صعب معركته من خارج التيار بدوره. بو صعب ليس طارئاً على المتن، ولا على الحياة السياسية. حضوره في المقعد الأرثوذكسي مستند إلى شبكة علاقات تتجاوز حزبه السابق، وإلى دعم ثابت من الحزب السوري القومي الاجتماعي في البلدات التي تشكّل خزّانه التقليدي. تأييد لا يُستهان به، لأنّه يمسّ مباشرة توزيع الأصوات للمقعد الأرثوذكسي، حيث يكون للصوت المنظّم قيمة مضاعفة. فوق ذلك، يعرف بو صعب كيف يدير حملته بخطاب أقلّ حدّة من الخطابات السائدة، ما يسمح له بالتقاط أصوات وسطية تبحث عن خيارات خارج الاصطفافات الحادة.

عليه الصورة لا تزال ضبابية. لكن المؤكد أنّ المقعد الماروني الذي يتنافس عليه كنعان سيكون من أعقد المقاعد، والمقعد الأرثوذكسي الذي يتحرّك نحوه بو صعب لن يكون أقل تعقيدا. فالمسألة ليست أرقامًا فقط؛ إنّها معركة الصوت التفضيلي، وتحالفات يتبدّل شكلها بين ليلة وأخرى، وناخب متني متطلب، يحسب خياراته بدقة.

بهذه الخلفية، يمكن القول إنّ معركتَي كنعان وبو صعب ليستا امتداداً لمعاركهما السابقة. كلّ شيء تغيّر: البيئة السياسية، التحالفات، مزاج الشارع، وحتى موقعهما داخل الخريطة. تغيّر يجعل النتيجة مفتوحة، لا لصالح أحد ولا ضد أحد، حيث الثابت الوحيد حتى الساعة، أنّ المتن يدخل انتخابات هذه الدورة بلا نتائج محسومة، وأنّ وجوهاً خرجت من عباءة التيار قد تجد لنفسها مكاناً جديداً داخل هذا المشهد، إذا أحسنت التقاط اللحظة.

الأكثر قراءة

أجــواء ضـبـابـيــة قـــبل مـفـاوضــات رومــــا جلسة تشريعية الأسبوع المقبل: زيادة الرواتب وإلغاء الإعدام والعفو العام