في لحظةٍ تتقدّم فيها القوانين على الثقة، يطرح «قانون الفجوة المالية» سؤالًا يتجاوز الأرقام إلى جوهر العدالة الاقتصادية. فهل يشكّل هذا التشريع مدخلًا فعليًا لإعادة بناء النظام المالي، أم إطارًا قانونيًا لإدارة كلفة الانهيار وتطبيع نتائجه؟
لم يعد النقاش في لبنان يدور حول حجم الفجوة المالية بقدر ما بات يتمحور حول كيفية توزيع كلفتها. فالأرقام، مهما اختلفت تقديراتها، لم تعد مجرّد مسألة تقنية، بل تحوّلت إلى اختبارٍ لعدالة الخيارات الاقتصادية في لحظة انهيار غير مسبوقة. من هنا، يكتسب «قانون الفجوة المالية» بعده الحقيقي، لا كنصٍّ يُقفل فجوةً محاسبية فحسب، بل كمرآةٍ تعكس أي اقتصاد يُراد بناؤه بعد الانهيار: اقتصادٌ يستعيد الثقة عبر تحميل المسؤوليات في مكانها الصحيح، أم اقتصادٌ يكتفي بتطبيع الخسارة وإدارتها تحت غطاءٍ تشريعي.
في معناها التقني، تُعرَّف الفجوة المالية بأنها الفرق بين التزامات النظام المالي — من ودائع وديون — وبين الأصول القابلة للتحقّق. غير أنّ هذا التعريف، على دقّته، يبقى غير كافٍ لفهم جوهر المسألة. فالفجوة ليست حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار طويل من السياسات التي قامت على الاستدانة، وتثبيتٍ مكلف لسعر الصرف، وتأجيل الإصلاحات البنيوية، واستخدامٍ غير مباشر لأموال المودعين في تمويل الدولة. وعليه، فإن القانون الذي يُراد له معالجة هذه الفجوة لا يمكن فصله عن القراءة السياسية والاقتصادية للأزمة، ولا عن الخيارات التي تحكم توزيع أعبائها، وهو ما يجعل السؤال عن المنهجية المعتمدة في مقاربتها سؤالًا تأسيسيًا لا تقنيًا فحسب.
تكمن الإشكالية الأساسية في المنهجية المعتمدة. فالنقاش السائد يوحي أحيانًا بأن الفجوة المالية واقع ينبغي إقفاله تشريعيًا، أكثر مما هي مشكلة يجب تفكيك أسبابها وتحديد مسؤولياتها. في حين تُظهر التجارب المقارنة أن المعالجة تبدأ عادةً بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإلزام المصارف ومساهميها تحمّل الخسائر الناتجة عن المخاطر التي قبلوا بها واستفادوا منها خلال سنوات الرخاء، قبل الانتقال إلى أي إجراءات قد تمسّ أموال المودعين، ولا سيما صغارهم. أمّا تجاوز هذا التسلسل، فيعني عمليًا استخدام القانون لتوزيع آثار الانهيار بدل معالجته، وتحويله من أداة إصلاح إلى وسيلة لإدارة الأزمة وتطبيع نتائجها.
في السياق اللبناني، لم يكن التعثّر في تطبيق قانون إعادة هيكلة المصارف الصادر في 31 تموز المنصرم ناتجًا عن إشكال تقني أو إداري بقدر ما كان نتيجة ربطٍ تشريعي مباشر مع قانون الفجوة المالية، إذ تضمّن قانون إعادة الهيكلة بندًا صريحًا يجعل بدء تنفيذها مشروطًا بإقرار قانون يحدّد كيفية توزيع الخسائر. هذا الربط أدخل العملية برمّتها في حلقة مفرغة: فالمشرّع ومصرف لبنان لم يتمكّنا من المضي في إعادة الهيكلة قبل حسم الفجوة المالية، فيما المصارف بدورها لم تُبدِ أي استعجال في الخضوع لإعادة الهيكلة قبل اتضاح موقعها من تحمّل الخسائر. في هذا السياق، يمكن فهم التسرّع الحكومي في الدفع باتجاه إقرار قانون الفجوة المالية بوصفه محاولة لكسر هذا الجمود التشريعي والتنفيذي.
غير أنّ مقاربة معالجة الفجوة المالية لا تخلو من مخاطر نقدية جدّية، قد تُفضي إلى نتائج عكسية إذا لم تُدر ضمن إطار متكامل من السياسات الاقتصادية. ويتجلّى أحد أبرز مصادر القلق في الطروحات التي تتحدّث عن ضخّ سيولة بمبالغ طائلة تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا على مدى عدّة سنوات، وهو حجم يفوق قدرة الاقتصاد اللبناني المنكمش على الاستيعاب.
إن ضخّ سيولة بهذا الحجم، في ظل ضعف القاعدة الإنتاجية وتآكل الثقة بالسياسات العامة، ينطوي على مخاطر فائض نقدي قد يتحوّل إلى ضغوط تضخمية، بما ينعكس ارتفاعًا في أسعار السلع والخدمات ويقوّض ما تبقّى من القدرة الشرائية. ومن هنا، لا يمكن لأي معالجة نقدية أن تؤتي ثمارها بمعزل عن مسار واضح لإعادة هيكلة الخسائر وتحميلها في مواقعها الصحيحة، باعتبار أنّ استعادة الثقة ليست نتيجة لاحقة للتعافي، بل شرطه المسبق، وأي ضخّ للسيولة قبل تثبيت هذا المسار إنما يهدّد بتحويل العلاج إلى عامل إضافي في تعميق الاختلال بدل تصحيحه.
اقتصاديًا، لا يمكن عزل قانون الفجوة المالية عن أثره على الثقة، وهي الركيزة التي يقوم عليها أي نظام مصرفي. فالمصارف لا تستعيد دورها عبر النصوص وحدها، بل عبر اطمئنان الناس إلى أن حقوقهم ليست عرضة لإعادة تفسير قانوني متغيّر. وأي تشريع يُفهَم على أنه يشرعن تحميل الخسائر للودائع سيؤدي حتمًا إلى تعميق الانكماش، ويُضعف فرص عودة الرساميل والاستثمارات التي يحتاجها الاقتصاد بشدّة.
أما اجتماعيًا، فإن تداعيات القانون تتجاوز الحسابات الفردية. فالمساس بالودائع، ولا سيما المتوسطة منها، يعني ضرب الطبقة الوسطى التي تشكّل العمود الفقري لأي اقتصاد متوازن. وهو ما ينعكس تراجعًا في الاستهلاك، وتآكلًا في القدرة على الصمود، وتوسيعًا للفجوة الاجتماعية في بلد يعاني أصلًا من ضغوط معيشية غير مسبوقة.
قانونيًا، يثير القانون أسئلة مشروعة تتعلّق بحق الملكية، ومبدأ المساواة بين المودعين، وشفافية المعايير المعتمدة في احتساب الخسائر. فحين تبقى الأرقام غير نهائية، والمعايير غير مكتملة الوضوح، يتحوّل التشريع من عامل استقرار إلى مصدر قلق، وتصبح القوانين جزءًا من عدم اليقين بدل أن تكون أداة لمعالجته.
ومع ذلك، لا يمكن مقاربة قانون الفجوة المالية بمنطق الرفض المطلق أو القبول غير المشروط. فلبنان يحتاج فعلًا إلى إطار قانوني ينظّم الخسائر ويضع حدًا للفوضى. لكن هذا الإطار لن يكون فاعلًا ما لم يُدمج ضمن خطة اقتصادية شاملة تعيد الاعتبار لدور الدولة، وتُصلح المالية العامة، وتفتح الباب أمام اقتصاد منتج قادر على استعادة النمو.
في المحصّلة، لا يُختبر «قانون الفجوة المالية» بقدرته على إقفال حساباتٍ مختلّة، بل بقدرته على إعادة بناء الثقة على أسسٍ عادلة ومستدامة. فهو يقف عند مفترقٍ حاسم: إمّا أن يكون مدخلًا لإصلاحٍ حقيقي يعيد وصل العدالة بالاستقرار، وإمّا أن يتحوّل إلى محطة إضافية في مسار تطبيع الأزمة. والفرق بين الخيارين لا تصنعه النصوص وحدها، بل الإرادة السياسية في تنفيذها، لأن الثقة لا تُشرَّع… بل تُستعاد.
أستاذ جامعي وخبير في الشؤون المالية والاقتصادية
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
22:07
ملك البحرين: سمو الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني كان أخا وصديقا وقائدا لبلد شقيق وشعب عزيز وكرس حياته لخدمة وطنه ونهضة أمته
-
22:07
العراق: قلقون من التوترات التي تمس أمن الملاحة البحرية بالمنطقة
-
22:06
رئيسة المفوضية الأوروبية: أتقدم بخالص التعازي بوفاة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي ساهمت قيادته بتشكيل قطر الحديثة
-
22:06
مكتب رئيس وزراء باكستان: إعلان الحداد يوم الاثنين في جميع أنحاء البلاد وتنكيس العلم إثر وفاة أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني
-
22:06
رويترز عن مصادر أمنية عراقية: هجوم بمسيرات يستهدف معسكرا للمعارضة الإيرانية الكردية في السليمانية
-
22:06
ملك البحرين: نتقدم بخالص التعازي وصادق المواساة لصاحب السمو الأمير تميم بن حمد آل ثاني وشعب قطر بوفاة سمو الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني
