اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في السنوات الأخيرة، تحوّل زيت السمك من مجرد مكمل غذائي عادي إلى عنصر أساسي في أحاديث الصحة والوقاية، حتى بات يُنظر إليه كدرع طبيعي لحماية القلب وغذاء لا غنى عنه للدماغ. وبين من يتناوله يوميًا بثقة كاملة، ومن يتساءل عن جدواه الحقيقية، يبرز سؤال جوهري: هل فوائد زيت السمك مدعومة فعلًا بالعلم، أم أنها مبالغ فيها؟ والأهم، هل يمكن لمرضى اضطرابات كهرباء القلب أن يستفيدوا منه بأمان، أم أن استخدامه قد يحمل مخاطر خفية؟

هذا وتكمن القيمة الأساسية لزيت السمك في احتوائه على نوعين رئيسيين من أوميغا 3، هما EPA وDHA، وهما عنصران أساسيان لا يستطيع الجسم إنتاجهما بكميات كافية. وقد أظهرت دراسات عديدة أن لهذه الأحماض الدهنية تأثيرًا إيجابيًا مباشرًا على صحة القلب، إذ تساهم في تقليل الالتهابات داخل الأوعية الدموية، وخفض مستويات الدهون الثلاثية في الدم، وتحسين مرونة الشرايين. كما يُعتقد أن الاستهلاك المنتظم لزيت السمك قد يساعد في تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية، خاصة لدى الأشخاص المعرضين لعوامل خطر مثل ارتفاع ضغط الدم أو الكوليسترول.

ولا تقل فوائد زيت السمك للدماغ أهمية عن دوره القلبي، حيث يشكّل حمض DHA مكونًا أساسيًا من أنسجة الدماغ والخلايا العصبية. ويساهم هذا الحمض في دعم الوظائف الإدراكية، مثل الذاكرة والتركيز وسرعة معالجة المعلومات، كما يرتبط بدور وقائي محتمل ضد التدهور المعرفي المرتبط بالتقدم في العمر. وتشير بعض الأبحاث إلى أن أوميغا 3 قد تساعد أيضًا في تحسين المزاج وتقليل أعراض الاكتئاب والقلق، نتيجة تأثيرها على النواقل العصبية والالتهابات العصبية.

أما فيما يتعلق بمرضى اضطرابات كهرباء القلب، مثل الرجفان الأذيني أو عدم انتظام ضربات القلب، فإن العلاقة مع زيت السمك أكثر تعقيدًا. فقد أظهرت بعض الدراسات أن أوميغا 3 قد تساهم في استقرار النشاط الكهربائي للقلب وتقليل قابلية الخلايا القلبية لاضطراب الإشارات الكهربائية، ما قد يساعد في الحد من بعض أنواع عدم انتظام ضربات القلب. في المقابل، أشارت دراسات أخرى إلى أن الجرعات العالية من زيت السمك قد لا تكون مناسبة لجميع المرضى، وقد ترتبط بزيادة طفيفة في خطر بعض أنواع اضطرابات النبض لدى فئات محددة.

لذلك، لا يمكن اعتبار زيت السمك علاجًا مباشرًا أو بديلًا للأدوية المخصصة لاضطرابات كهرباء القلب، بل يُنظر إليه كعامل داعم محتمل يختلف تأثيره من شخص لآخر. ويُنصح مرضى القلب عمومًا، ومرضى كهرباء القلب على وجه الخصوص، بعدم تناول مكملات زيت السمك بجرعات عالية دون استشارة الطبيب المختص، خاصة في حال استخدام أدوية مميعة للدم أو أدوية تنظيم ضربات القلب.

في المحصلة، يقدّم زيت السمك فوائد حقيقية ومثبتة علميًا لصحة القلب والدماغ عند استخدامه بشكل معتدل ومدروس، ضمن نمط حياة صحي ومتوازن. غير أن فعاليته وسلامته، خصوصًا لدى مرضى اضطرابات كهرباء القلب، تبقى مرتبطة بالتقييم الطبي الفردي. فالفائدة القصوى من هذا المكمل لا تتحقق إلا عندما يُستخدم بوعي، ووفق احتياجات الجسم الفعلية، وليس بوصفه حلًا عامًا يصلح للجميع.

الأكثر قراءة

خشية من حرب أميركيّة - إيرانيّة تشعل المنطقة لبنان يضغط لتطبيق «المناطق التجريبيّة» هذا الأسبوع