إنتهت الجولة الثانية من المفاوضات الإيرانية-الأميركية غير المباشرة، اليوم الثلاثاء، في سفارة سلطنة عُمان بمدينة جنيف السويسرية، حيث يرى متابعون للشأن الإيراني أنّ طهران قد تلعب ورقة "القنبلة البيضاء" ممثلة في المعادن النادرة والثمينة، ضمن مفاوضاتها الشاقة مع واشنطن.
ووفق المعلومات، فإن طهران تبدي مرونة معتبرة في المفاوضات، حيث أصبحت منفتحة على خيارات سياسية كانت بالأمس القريب خطوطا حمراء لا يمكن المساس بها أو الاقتراب منها.
وباتت التصريحات الرسمية الإيرانية تصب في خانة الموافقة على تخفيض معدلات تخصيب اليورانيوم من نسبة 60 % إلى 6 أو 4 %، وهو معدّل تخصيب بدائيّ تجاوزته إيران منذ عقود طويلة.
وكانت المقاربة الأمريكية من هذا الملفّ متجسدة في اشتراط "التخصيب الصفري لليورانيوم"، مدفوعة بتحريض "إسرائيلي" واضح على ضرورة تفكيك البنية التحتية النووية، فإنّ الرؤية الإيرانية باتت واقعية بشكل ملحوظ، حيث تجاوزت طهران سرديات التناقض الإيديولوجي ومنطق الخطابات الحماسية التي اتضح عدم نجاعتها في الحروب المباشرة.
وتؤكد جهات مطلعة على ملف المحادثات، أنّ طهران أبدت موافقتها على إغلاق كامل للأنشطة النووية في منشأة "فوردو" المحصنة والتي تلقت ضربات عسكرية أميركية اختلفت التقديرات في مدى نوعيتها وتمكنها من إنهاء العمل في المنشأة.
كما تفيد بأنّ طهران جاهزة لنقل أجهزة الطرد المركزي المتطورة إلى مخازن تحت رقابة الوكالة الدولية، مع استعداد تام وفوري لتخفيف مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى أقل من 5 %.
في المقابل، تريد إيران رفع العقوبات الاقتصادية القاسية المسلطة على البنك المركزي الإيراني والسماح لشركة النفط الوطنية بالوصول إلى نظام "سويفت" المالي.
أمّا في ملف الصواريخ الباليستية، فإنّ النقاش ما زال دائرا حول مدى هذه الصواريخ وقوّتها وقدرتها التدميرية، حيث تشدد "إسرائيل" على ضرورة أن يكون مداها قصيرا وألا يتجاوز الجوار الإقليمي الملاصق لإيران، في أقصى تقدير ممكن.
وبعيدا عن ملف النووي والباليسيتي، تؤكد مصادر مطلعة على سير المفاوضات، أنّ إيران دفعت بورقة اقتصادية استثمارية رابحة، في محادثاتها مع واشنطن، حيث تطرقت لأول مرة إلى الاستثمارات الأميركية الممكنة في ملف المعادن النادرة والثمينة في إيران، وهو ملف تدرك طهران أنّه استراتيجي بالنسبة لواشنطن في حربها الاقتصادية ضدّ بكين، وتعرف يقينا أنّه قد يثير غضب وحفيظة الصين ضدّها.
ووصف الخبراء "التعاون الأميركي الإيراني الممكن في ملف المعادن الثمينة والنادرة"، بالمقامرة الإيرانية الخطيرة، وكان "الاستحقاق التعديني" يشكل أولوية لدى إدارة ترامب، الأمر الذي من شأنه تيسير التفاهم بين واشنطن وطهران، فإنّ هذه الورقة تجسد في العُرف الصيني خطرا قوميا أمنيا قد يعصف بالعلاقات الثنائية وقد يفتح صفحة من الخلافات بين العاصمتين.
وكشفت المصادر أنّ إيران تدفع نحو تفاوض شامل قصد التوصل إلى "اتفاق تاريخي" مع أميركا، يبدأ من النووي والباليستي، ويمرّ بمشاريع الطاقة (الغاز والنفط)، ولا ينتهي عند المعادن النادرة والثمينة.
وتتركز في مناطق شمال شرق إيران، رمال "المونازيت" وهي أساس مواد النيكل والنحاس. ووفق تقديرات عام 2026، فإنّ من المتوقع أن يصل سعر طن النحاس إلى 12.000 دولار نتيجة العجز العالمي المتوقع، وفي هذا الملف بالضبط تُسوق إيران نفسها كضامنة لسد هذه الفجوة.
ووفقا لبيانات منظمة الاستثمار والمساعدة الاقتصادية والتقنية الإيرانية لسنة 2026، فإنّ إيران تُعد واحدة من أغنى 15 دولة تعدينية في العالم، إذ تقدر القيمة الإجمالية للموارد بنحو 28 تريليون دولار، ويبلغ حجم الاحتياطات المؤكدة 57 مليار طن من 68 نوعا مختلفا من المعادن.
وتحتل إيران المرتبة السادسة عالميا في إنتاج الزنك، والسابعة في النحاس، والتاسعة في خام الحديد.
وحيال كلّ ما تقدّم، لم يتردد الوفد المفاوض في طرح ملفات "التعاون التعديني"، محوّلا النقاش من مجالات ذات طابع فني عسكري إلى مجالات استثمارية جيوسياسية، وهي الأبعاد التي يفضلها الرئيس دونالد ترامب في أيّ نقاش.ط
في هذا المفصل بالذات، تُشير المصادر السياسية المطلعة إلى أنّ الوفد الإيراني لم يمانع في مبدأ التعاون مع واشنطن في المعادن النادرة والثمينة، من زاوية أنّ طهران التي تمتلك هذه الموارد الثمينة والنادرة لا يمكنها استخراجها بالكميات الاحتياطية الضخمة بالنظر للعقوبات التقنية والفنية المسلطة عليها أمريكيا.
وفي حال رفعت واشنطن شيئا من مصفوفة العقوبات الفنية والتقنية المفروضة عليها، فبالإمكان استخراج هذه المعادن، والاستفادة الثنائية منها.
4 أهداف أمريكية
يبدو أنّ العرض الإيراني في هذه النقطة التعدينية بالذات استدرّ ترحيب الفريق المفاوض الأميركي، وهو ترحيب حذر، مداره 4 نقاط أساسية.
- النقطة الأولى: أنّ العرض من شأنه كسر الهيمنة الصينية على سلاسل المعادن النادرة والثقيلة من حيث الاستخراج والتثمين والتوريد والتصدير، وهي هيمنة تمكنت بكين بمقتضاها من خوض حرب الرسوم الجمركية ضدّ واشنطن من باب الندية، وأجبرت ترامب على تعليق الرسوم الجمركيّة ضدّ الصين.
- النّقطة الثانية: أنّ حصول واشنطن على حصة معتبرة من كعكة المعادن النادرة والثمينة الإيرانية، من شأنه أن يوجه رسالة طمأنة لعمالقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأمريكية بإمكانية العمل والابتكار خارج السيطرة الصينية، وخارج الهيمنة الصينية الناعمة على البنية التحتية الرقمية.
- النقطة الثالثة: أنّ تمكن واشنطن من الظفر بالسوق الإيرانية التعدينية، من شأنه أن يثير حربا سياسية ودبلوماسية شعواء بين الصين وإيران، ومن شأنه أن يؤصّل هوّة سحيقة يصعب جسرها بين الطرفين المتحالفين منذ عقود، الأمر الذي قد يزيد من عزلة إيران عن الحضن الاستراتيجي الأصلي ويفضي إلى ارتهانها الكامل لواشنطن.
- النقطة الرابعة: فتتمثل في سياق استراتيجية ترامب، حيث وقعت إدارته في فبراير/ شباط الحالي مذكرة "تأمين المعادن الحرجة".
ولأن كان التفكير الأميركي منصبا على أفريقيا، فإنّ العرض الإيراني قد يكون أكثر استمالة للبيت الأبيض، لعدة اعتبارات اقتصادية، أقلها إمكانية استفادة الشركات الأميركية لاستخراج الليثيوم من حصص تشغيلية مباشرة تصل إلى 50 % من المناجم الجديدة.
وبناء على ما سبق، يشير المراقبون إلى أنّ الانفتاح الإيراني يصل إلى حدّ عرض مشاريع استثمارية مشتركة في مجال الغاز بشكل عام، وفي حقل "بارس الجنوبي"، أكبر حقل غاز في العالم، بالإضافة إلى شراء مئات الطائرات من شركة "بوينغ" لتحديث الأسطول الجوي الإيراني المتهالك.
هذه الصفقات تعني "ترامبياً" آلاف الوظائف في الولايات المتحدة، وتعني "انتخابيا" إنجازات لساكن البيت الأبيض من شأنها حث الجمهور الأمريكي على التصويت للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي.
إيران تعرض هذه الصفقات، بشكل شبه رسمي، قصد جس نبض الوفد الأمريكي وقياس مدى جديته في رفع العقوبات الاقتصادية والاستثمارية التي أثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني وباتت تنذر بـ "ثورة جياع" لا تبقي ولا تذر في إيران.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
10:16
وزيرة الشؤون الإجتماعية من المدينة الرياضية: حراسة المدينة الرياضية من الجيش اللبناني وهذا يطمئنني والخدمات متوفرة من الطعام والطبابة والحمامات
-
10:16
وزيرة الشؤون الإجتماعية من المدينة الرياضية: نناشد أهلنا في الـBiel للقدوم إلى المدينة الرياضية والمعترضون أعتقد أنهم يعارضون من دون المعلومات الحقيقية وعليهم رؤية أن هذا المكان أفضل لهم ولأولادهم
-
10:11
روسيا: وزارة الدفاع: تم تسجيل نحو 1365 خرقاً لنظام وقف إطلاق النار في منطقة العملية العسكرية الخاصة طوال فترة الهدنة
-
10:10
روسيا: وزارة الدفاع: القوات الأوكرانية خرقت الهدنة التي أعلنتها روسيا بإطلاق 887 مسيرة
-
10:10
روسيا: وزارة الدفاع: الممارسات التخريبية المتعمدة من قبل أوكرانيا بحق روسيا تؤكد مجدداً الجوهر الإرهابي للنظام في كييف
-
10:08
روسيا: وزارة النقل: تعليق العمل في 13 مطاراً في عدد من المدن جنوب روسيا إثر الهجوم الأوكراني بالمسيرات
