تعيش طائفة المسلمين الموحدين الدروز في مرحلة مصيرية وجودية، ترتبط بالهوية الوطنية والقومية والدينية، لم تعرفها في تاريخها منذ اكثر من قرن، وجاءت الاحداث في سوريا بين النظام السوري السابق ومعارضيه مطلع عام 2011، الى سقوطه في 8 كانون الاول 2024، لتطرح اسئلة اين هو موقع الدروز في سوريا، كما في المنطقة، التي تحصل فيها رسم لخرائطها، ودعوات انفصالية لجغرافيا مقسمة كيانيا، ليطل من جديد مشروع توزيعها على طوائف ومذاهب وعرقيات واثنيات، وهو الذي افشلته ثورات وطنية وقومية امتدت من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وكان سلطان باشا الاطرش احد قادتها البارزين.
وصول «هيئة تحرير الشام» الى السلطة في سوريا، وترؤس احمد الشرع لها، وانفلات الامن من مجموعات تكفيرية، تنضوي تحت لواء الهيئة، سبّب مجازر وارتكابات ضد اقليات العلويين والدروز والمسيحيين والاكراد، ومن كان مع النظام السابق، مما رفع من منسوب الخوف والدعوات الى الحماية الخارجية. فكان العدو الاسرائيلي اول من استجاب لخطة لديه يعمل لها منذ ثلاثينات القرن الماضي، وهي «حماية الاقليات والتحالف معها»، وهو ما لاقاه عند قلة من الذين ساروا في مشروع تفتيت المشرق العربي، من خلال الفتن والاقتتال والحروب.
فاحداث محافظة السويداء ومعها ما جرى في منطقة جرمانا في ريف دمشق، من اعمال قتل وخطف وتهجير ضد مواطنين دروز، فتح الباب للعدو الاسرائيلي، ان يدخل الى سوريا، فاحتل جنوبها بعد عمليات قصف قضى فيها على قدرات الجيش السوري، فشكلت احداث تموز الماضي في جبل العرب، دافعا لاحد شيوخ العقل حكمت الهجري، بان يطلب حماية “اسرائيل”، ونسق مع رئيس الهيئة الروحية الدرزية في فلسطين المحتلة الشيخ موفق طريف، الذي نسج علاقات واقام اتصالات دولية واقليمية، لضمان امن الدروز في سوريا ومعها لبنان.
هذه التطورات الامنية، وما جرى في السويداء من اقتتال بين ابنائها والبدو الذين يعيشون في المحافظة وجوارها، اسقط اجزاء من المحافظة بيد الشيخ الهجري، الذي اصبح الحاكم الفعلي للمنطقة الخارجة عن سيطرة السلطة السورية الجديدة، التي رفضت دعوة الانفصال، كما في الساحل وشمال وشرق سوريا، ونجحت في الاتصالات الدولية وبدعم اميركي وتأييد روسي واوروبي وعربي، في ان تعود كل المحافظات الى سوريا، باستثناء جنوبها، الذي يلعب فيه العدو الاسرائيلي، وهو ما حرّك رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” السابق وليد جنبلاط للتحذير مما يفعله الهجري في السويداء، ونأي شيخي العقل يوسف جربوع ومحمود الحناوي بنفسيهما عن الشيخ الهجري، ووقفا ضد المجازر والارتكابات والسبي والتهجير الذي حصل مع ابناء طائفتهم.
وبات الصراع على الهوية هو العنوان الذي تشتبك حوله المراجع الدرزية السياسية والروحية في المنطقة، فرفض وليد جنبلاط ان يفتح سجالا حول اسلام الدروز كما انتمائهم العربي، وهذه مسألة تخطاها الزمن منذ قرون، عندما تصدى المسلمون الموحدون الدروز لحملة «الفرنج» (الصليبية) ودافعوا عن الثغور، وكانوا مع صلاح الدين الايوبي، اضافة الى انهم مذهب فاطمي وفق مراجعه. ويستحضر جنبلاط مراجع روحية وفكرية وفقهية تؤكد على ان الموحدين هم مذهب اسلامي، له اصول فلسفية اغريقية وكرسه الازهر.
فاستحضار مسألة الهوية القومية والدينية للدروز في هذه المرحلة، يرتبط بمشاريع خارجية، وتحديدا اسرائيلية، وما تسمية جبل العرب المعروف «بجبل الدروز» «بجبل باشان»، وهو ورد في التوراة كما يذكر، إلا دليل على انخراط «بعض ضعيفي النفوس»، كما يصفهم جنبلاط بالمشروع الاسرائيلي، واستخدام هؤلاء كادوات فقط، وسبق لاطراف عديدة ان سلكوا هذا الطريق، ومنهم في لبنان، وحصدوا الفشل ودمروا لبنان.
فالعدو الاسرائيلي يدّعي حماية الدروز ليكونوا في مشروعه، وهذا ما فعله في فلسطين المحتلة، عندما وضع الطوائف بوجه بعضها ليستميلها، ففرض على الدروز لحمايتهم التجنيد الالزامي منذ العام 1956، الذي دعا جنبلاط الى رفضه، ووصل ضباط منهم الى مراكز قيادية في “الجيش الاسرائيلي” كاللواء غسان عليان الذي كان قائدا للواء «غولاني» وقاتل في لبنان وغزة والضفة الغربية، واصبح عليان منذ 5 شباط الحالي مكلفا بالتواصل مع دروز سوريا ولبنان، وزار السويداء والتقى الهجري للتنسيق. وهذا ما اقلق جنبلاط الذي اتفق مع رئيس الحزب “الديموقراطي اللبناني” طلال ارسلان، على رفض الحماية الاسرائيلية واقامة «كانتون درزي»، مع ادانة ارسلان لما اقدمت عليه فصائل الشرع من مجازر ضد ابناء السويداء وجرمانا، ووصفها بالارهابية.
فالدروز يمرون بمحنة، وعلى مرجعياتهم تثبيت هويتهم، وهو ما فعله الشهيد كمال جنبلاط منذ الخمسينيات، بالتأكيد على اسلام الدروز وعروبتهم، ورفض كل من حاول تكفيرهم بفتاوى ما اتت الا بالدم والخراب.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
21:02
السفير الأميركي في "إسرائيل": لا نرى أدلة حقيقية على وجود جناح معتدل في إيران، وفكرة تدخل سوريا في لبنان لم تلق قبولًا من أي طرف ولا "إسرائيل".
-
21:01
السفير الأميركي في "إسرائيل": أبلغتنا "إسرائيل" بوجود مخطط إيراني لاغتيال الرئيس ترامب، وتهديدات إيران ليست جديدة وسلوكها لم يتغير.
-
20:43
مصدر رسمي لبناني لـ"فرانس برس": لبنان سيشارك في جولة المفاوضات المباشرة المقررة الأسبوع المقبل مع "إسرائيل" في روما.
-
20:18
"سكاي نيوز": مسؤول لبناني يؤكد مشاركة بلاده في محادثات روما مع "إسرائيل".
-
20:08
الجيش الإسرائيلي: هاجمنا عناصر من حزب الله كانوا ينقلون صواريخ مضادة للدروع داخل المنطقة الأمنية في جنوب لبنان
-
20:07
وزارة الصحة اللبنانية: 4322 شهيداً و12210 جريحاً في العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ 2 آذار الماضي حتى 11 تموز الحالي.
