اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في لحظة إقليمية دقيقة، تتقاطع فيها المصالح الدولية مع حسابات الداخل اللبناني، يعود لبنان ليجد نفسه مرة جديدة عند مفترق التسويات الكبرى. فالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية لا تبدو حدثاً معزولاً عن السياق اللبناني، بل امتداد مباشر له، في ظل واقعٍ داخلي هشّ يتأثّر بأي تحوّل في موازين القوى الإقليمية. وبين مناخات التفاؤل الحذر ومخاوف الانهيار، ترتسم صورة تسوية لا تُشبه اتفاقات الإنتصار والهزيمة، بل أقرب إلى تسوية توازن الضرورات.

وفي هذا السياق، يقول الوزير السابق كريم بقرادوني لـ"الديار" أن "المفاوضات تتّجه إيجاباً نحو تفاهم ما، قد لا يكون شاملاً أو نهائياً، لكنه يتيح للطرفين مساحة إعلان تحقيق الإنجازات، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب سيكون قادراً على مخاطبة الداخل الأميركي، بالقول إنه نجح في ضبط مسار الملف النووي الإيراني وفرض معادلات جديدة، فيما ستجد طهران بدورها فرصة لتأكيد أن برنامجها النووي بقي في إطاره المدني، وأنها لم تتراجع أمام الضغوط".

ويتوقّع "تسوية تقوم على تبادل الرسائل الإيجابية المدروسة، حيث يتمكّن كل طرف من الإدعاء بأنه لم يتنازل عن ثوابته، فالإدارة الأميركية تحتاج إلى إنجاز خارجي يُقدَّم إلى الرأي العام كنجاح في إدارة الملفات المعقّدة، فيما تحتاج القيادة الإيرانية إلى إظهار صلابة موقفها أمام جمهورها الداخلي".

ويستعيد بقرادوني "نموذج المفاوضات الأميركية ـ السورية في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، حين كانت الجولات التفاوضية تنطلق بسقوف مرتفعة، فيما كانت التفاهمات الحقيقية تُصاغ بهدوء خلف الكواليس. يومها تركت واشنطن لدمشق هامشاً واسعاً لتقول إنها انتصرت في لبنان، فيما احتفظت الولايات المتحدة بمصالحها الإستراتيجية. واليوم قد يتكرّر المشهد مع اختلاف اللاعبين، بحيث تُمنح إيران فرصة حفظ ماء الوجه ، مقابل تفاهم يراعي المصالح الأميركية الأوسع في المنطقة".

أما عن موقف "إسرائيل"، فيُقرّ بأن "تل أبيب غير مرتاحة لمسار المفاوضات، لأن أي اتفاق أميركي ـ إيراني لن يكون لصالح "إسرائيل"، إنما ذلك سينعكس إيجاباً على لبنان، فحين تكون "إسرائيل" مستاءة من تسوية ما، فإن ذلك يمنح لبنان هامشاً من الإستقرار النسبي، لأن "تل أبيب" تصبح عاجزة عن تخريب تفاهم ترعاه واشنطن مباشرة".

ويشدّد على أن "إسرائيل ليست هي من يحرّك القرار الأميركي، بل إن واشنطن هي التي تقرّر، وعلى "إسرائيل أن تلتزم" ولو على مضض، ويستند في ذلك إلى تجربته الطويلة خلال سنوات الحرب اللبنانية، حيث خبر طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ويؤكد أن الأخيرة "لا تستطيع الذهاب بعيداً في معاكسة القرار الأميركي، وحده غياب الإتفاق أو انهيار المفاوضات يفتح الباب أمام تحرّك إسرائيلي أوسع، لأن فشل التفاهم يرفع عملياً المظلّة الأميركية الضامنة للإستقرار".

وإذ يرى أن "لبنان سيكون المتضرّر الأكبر في حال سقطت المفاوضات، لأن الساحة اللبنانية تبقى الأكثر هشاشة أمام أي ارتداد إقليمي"، يعتبر أن "التوتر الأميركي ـ الإيراني إذا انفلت، قد يُترجم ضغوطاً إضافية على الداخل اللبناني سياسياً واقتصادياً وأمنياً، في وقت لا يحتمل فيه البلد أي اهتزاز جديد. أما في حال ولادة الاتفاق، فإن لبنان يكون قد ربح".

وعن الإستحقاق النيابي، يؤكد أن "الإنتخابات ستُجرى في موعدها، رغم التباينات في النظرة الخارجية إليها، فثمة من يرى في إجراء الإنتخابات تعزيزاً لشرعية السلطة اللبنانية، ما يمنح لبنان ورقة قوة في مواجهة المجتمع الدولي. في المقابل، هناك من ينصح بالتريّث إلى حين اتضاح صورة المشهد الإقليمي".

وفي قراءة أولية للنتائج المتوقعة، لا يبدي بقرادوني تفاؤلاً بإحداث تغييرات جذرية، ويرى "أن القوي سيبقى قوياً، والضعيف سيزداد ضعفاً، فيما لن يتمكّن المستقلون من تحقيق خرق نوعي، بعدما أخفقت تجربتهم السابقة في تكوين حالة نيابية متماسكة داخل المجلس"، ويشير إلى أن "القوى السياسية الأساسية باشرت التحضير المبكر للاستحقاق، من حركة "أمل" إلى "القوات اللبنانية" و"الكتائب"، حيث انطلقت الماكينات الإنتخابية في عملها، وبدأت مشاورات تشكيل اللوائح وبناء التحالفات، ما يدلّ على أن المعركة ستكون جدّية وأن الحسابات دقيقة".

الأكثر قراءة

لحظة الحسم تقترب... فهل تنجح التسوية؟ «حزب الله» يرفض معادلة «الضاحية مقابل المستوطنات»