اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

-استحقاق روحي واجتماعي وثقافي متجذّر

- تتحوّل المساجد إلى خلايا نابضة بالحياة

- وسائل التواصل فرضت حضورها بقوة

تتحول الليالي إلى مساحة لقاء اجتماعي


في كل عام، ومع حلول شهر رمضان، تبدو طرابلس كأنها تدخل زمنًا آخر. المدينة التي عرفت تعاقب الدول والإمارات والسلطنات، من المماليك إلى العثمانيين، تستقبل طرابلس الشهر الفضيل كاستحقاق روحي واجتماعي وثقافي متجذر في ذاكرتها منذ قرون. هنا، لا يختلط الماضي بالحاضر فحسب، انما يتداخلان حتى يصعب الفصل بينهما: مآذن تاريخية تتلألأ بالأضواء، وهواتف ذكية تبثّ المشهد مباشرة إلى العالم.

منذ تشييد جامع الأمير سيف الدين طينال في القرن الرابع عشر، رسّخت طرابلس مكانتها كحاضرة دينية وعلمية. وفي العهد العثماني، تعزّز هذا البعد الروحي مع إهداء السلطان عبد الحميد الثاني ما يُعرف بـ“الأثر الشريف” إلى المدينة سنة 1890، حيث حُفظ في المسجد الحميدي في الزاهرية داخل علبة من الذهب الخالص. ومنذ ذلك التاريخ، ارتبطت ليالي رمضان في طرابلس بطقوس التبرّك بهذا الأثر، في مشهد تختلط فيه المشاعر الدينية بالرهبة التاريخية.

تتحول المساجد في رمضان إلى خلايا نابضة بالحياة. حلقات الذكر لا تنقطع، ختمات القرآن تتوالى، دروس الوعظ والسيرة النبوية تستقطب المصلين من مختلف الأعمار، وختم “صحيح البخاري” يبقى من التقاليد التي تحرص بعض الجوامع على إحيائها سنويا. وفي صلاة التراويح، تضيق المساحات بالمصلين، فتُمدّ السجادات إلى الأرصفة، وتغدو الشوارع المحيطة بالمساجد امتدادًا لفضاء الصلاة.

نهار المدينة له إيقاع مختلف. الأسواق الشعبية، من العطارين إلى البازركان وسوق النحاسين، تضجّ بالمتسوقين. رائحة التوابل تمتزج برائحة القطر الساخن المنسكب فوق صواني الكلاج والمشبّك. الحلويات الطرابلسية تحتل الواجهة، والقطايف تُحشى على مرأى الزبائن. قبيل المغرب، يبلغ المشهد ذروته: حركة محمومة، سيارات متسارعة، أمهات يحملن أكياس المشتريات، وأطفال ينتظرون لحظة الإفطار. ثم فجأة، ومع صدح الأذان، يخيم سكون مهيب، فتبدو المدينة وكأنها أطفأت ضجيجها دفعة واحدة.

غير أن رمضان الطرابلسي لم يعد كما كان قبل عقدين. وسائل التواصل الاجتماعي فرضت حضورها بقوة. المقاهي والمطاعم تتنافس في نشر صور موائد الإفطار والعروض الخاصة، بأسعار غالبًا ما تسبق ارتفاع الرواتب بأشواط. محال الأزياء تعرض عباءات رمضانية مستوحاة من مسلسلات الموسم، والإعلانات الرقمية تكاد تطغى على الطابع البسيط الذي عُرفت به المدينة. حتى التحديات الرمضانية المصوّرة باتت جزءًا من المشهد، ما يطرح سؤالًا ضمنيًا عن حدود التوازن بين روحانية الشهر ومظاهر الاستهلاك والاستعراض.

بعد الإفطار، تنقلب الصورة. تعود الحركة إلى الشوارع، ويتوزع الناس بين المساجد والمقاهي. العصائر التقليدية – من الجلاب إلى التمر هندي – تتصدر الطاولات، والأراكيل تحضر بقوة في السهرات. بعض المقاهي تستعين بفرق المولوية الصوفية، فتدور التنورات البيضاء على وقع الدفوف، في تمازج بين الفن والذكر. وتتحول ليالي المدينة إلى مساحة لقاء اجتماعي، حيث تختلط العائلات بالشباب، وأبناء الأحياء بالزوار القادمين من بيروت والمناطق المجاورة.

الأفران القديمة تشهد بدورها موسمًا استثنائيًا. “الكعكة الطرابلسية” الرمضانية باتت علامة فارقة، يقصدها الزوار خصيصًا. وفي الأزقة، تجول فرق “الوداع” مردّدة الأناشيد على وقع الطبول والصنوج، في تقليد يعيد للأحياء روح التضامن والتكافل. أما قبيل الفجر، فيطلّ المسحّراتي بطبلته، ينادي بأسماء العائلات أحيانا، ويحفظ ألقابها كما لو أنه دفتر الذاكرة الحي للمدينة.

ولا يقتصر رمضان في طرابلس على الطقوس الدينية والاحتفالية، انما يحمل أيضا بعدًا اجتماعيا عميقا. موائد الرحمن تنتشر في بعض الأحياء، والجمعيات الخيرية تنشط لتأمين الحصص الغذائية للأسر المحتاجة، في مدينة أثقلتها الأزمات الاقتصادية. هنا، يظهر وجه آخر لرمضان: التكافل في مواجهة الضيق، والتشبث بالأمل رغم القلق المعيشي.

بين الأثر الشريف وأضواء "الستوري"، بين ختم القرآن وبثّ المقاطع المباشرة، تعيش طرابلس رمضانها على طريقتها. قد تتبدل الوسائل، وتتغير أشكال الاحتفال، لكن الجوهر يبقى واحدًا: مدينة تتوضأ بتاريخها كل مساء، وتصرّ على أن تجعل من الشهر الفضيل مساحة جامعة، تختلط فيها دموع الخشوع بفرح اللقاء، ويظل ليلها مزدحمًا بالزائرين من كل المناطق، في مشهد يؤكد أن رمضان في طرابلس ليس مجرد زمن عابر، بل هو هوية متجددة كل عام.