اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في معظم مرافعاتي امام محكمة المطبوعات منذ خمس وثلاثین سنة، كنت ابدأُ بالقول ان الصحافة مرآة المجتمع، وتعكس وتنقل ما یحصل فیھا من اخبار حسنة وسیئة، ولكن ضمن ضوابط قانونیة. فلا یمكن ان تقول وسائل الاعلام مثلاً ان الوضع بألف خیر على مختلف الصعد الامنیة والاقتصادیة والاداریة والاجتماعیة اذا لم یكن كذلك. واذا كان ھناك فساد فیجب لفت النظر الیه دون التعرض لكرامة وشرف الآخرین.

وكانت وسائل الاعلام من تلفزیونات واذاعات وصحف ومجلات، تتعرض للشكاوى من مواطنین لانھا تقام بناء على شكوى المتضرر، او من قبل النیابة العامة في حالات محددة كجرائم الذم والقدح والتشھیر وغیرھا التي تطال مثلاً رئیس الجمھوریة، او حالات التعرض للسلم الاھلي، او للنقد الوطني، او اثارة نعرات طائفیة وحض على الاقتتال وغیرھا. وكانت ھذه الشكاوى بالعشرات یومیا.ً لدرجة ان صحیفة الدیار كانت قد بدأت بنشر التحقیقات في ملف كنیسة الزوق. فتمت ملاحقتھا بعد تبلغھا اشعاراً بوجوب التوقف عن النشر، لان الملف لم یصل امام المجلس العدلي. فكتب رئیس التحریر العام الاستاذ شارل ایوب مقالة تكلم فیھا عن الحریة الاعلامیة...فتمت ملاحقته. المھم انه كل یوم كان یكتب مستنكراً ما یحصل الى ان اصبح عدد الشكاوى یوم السبت ست شكاوى. فنشر الكاریكاتوریست في الجریدة كاریكاتوراً یصور اللبناني باللبادة. وكتب في اعلى الصفحة: ست شكاوى في اسبوع ضد شارل ایوب. وكتب على لسان اللبناني:"صبرك یا ایوب". فتلقینا شكوى سابعة.

الى ھذا الحد كان التشدد.

فماذا یحصل الیوم مع وسائل التواصل الاجتماعي ومع السایتات وغیرھا؟. نحن نعلم ان الفایسبوك مباح امام الجمیع. وتأسیس سایت مباح. فنلاحظ ان من امتھن مھنة الصحافة والاعلام، یكتب، بالمبدأ، بشكل اصولي وضمن الحدود المرسومة قانونا.ً وھذا الامر ینطبق على امثال السادة سیمون بو فاضل وجانین ملاح ونقولا حنا وعیسى بو عیسى وعلي موسوي (الذي اصبح زمیلاً لنا في المحاماة) وغیرھم. الا اننا، ومن خلال متابعة ما یكتب على الفایسبوك مثلا.ً نلاحظ انه یمكن تقدیم مئات الشكاوى یومیاً (ولیس العشرات)، لما تتضمنه الكتابات والبوستات من ذم وقدح وشتم وتحقیر وتھدید واخبار كاذبة، وتحریض بشكل لم یسبق له مثیل، ولم نشھد مثله طوال حیاتنا. وھذه الجرائم تطال الآخرین من رأس الھرم في المسؤولیة وحتى اصغر مسؤول. كما تطال جمیع المواطنین دون استثناء. فالفایسبوك ھو كالسلاح الذي تسلمه للآخرین. وقد یتسلمه المجرم والعاقل والراشد والولد.

ومع ورود عشرات آلاف الكتابات یومیا،ً وما یحمله بعضھا من ذم وقدح وتحقیروغیرھا. نلاحظ ان عدد الشكاوى قلیل جدا.ً فھل السبب ھو التراخي في المبادئ؟. ام في الاخلاق وفي الكرامة؟. ام في توسیع مفھوم الحریة في التعبیر، ام الخوف من الانتقادات الاضافیة نظراً لتوفر وسائل الاعلام في ید الجمیع دون استثناء؟.

یبقى ان نشیر الى ان حریة التعبیر ھي حق مقدس. ولكن كرامة وشرف الآخرین ھما حق مقدس. فلا یمكن تحت باب حریة التعبیر شتم الآخرین وذمھم وإلقاء اتھامات باطلة بحقھم.

ولا اعتقد ان احداً وقف امام قضاة التحقیق ومحكمة المطبوعات بقدر ما وقفت مدافعاً عن الاعلامیین وعن حریة التعبیر، بعیداً عن شعبویة عدد كبیر من جماعة من یسمون انفسھم المجتمع المدني. ومع ذلك اشدد انه یجب كتابة ما یجب كتابته دون التعرض للسلم الاھلي ولكرامة وشرف الآخرین. من مسؤولین وغیر مسؤولین. ولیكن الانتقاد على المواقف ولیس على كرامة الاشخاص واھلھم وذویھم. اذ من حق، لا بل من واجب كل واحد منا، الاضاءة على المواقف الجیدة، وعلى المواقف السیئة، وانتقاد ھذه الاخیرة ولكن ضمن الحدود القانونیة، بعیداً عن الشتم والسخریة والذم والتحریض. فالكاتب المسؤول یستطیع ان یوصل افكاره بأسلوب راقٍ واخلاقي، وان ینتقد انتقادات قاسیة دون التعرض لكرامات الآخرین.

الأكثر قراءة

سقوط نجمة داود عن قبة الكابيتول ؟