اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تكشف أوساط سياسية مطلعة لـ«الديار» أن قرار اعتبار محمد رضا شيباني، المعيّن سفيراً لإيران في لبنان وغير المعتمد رسمياً بعد، شخصاً غير مرغوب فيه، جاء على نحو مفاجئ لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، في وقت كان فيه المسار المتفق عليه مختلفاً بالكامل عما أُعلن لاحقاً.

وبحسب هذه المعلومات، فإن وزير الخارجية يوسف رجّي أجرى اتصالاً مع قصر بعبدا، كما تم التواصل أيضاً مع رئيس الحكومة، وأبلغ الجهتين أن الوزارة تتجه إلى استدعاء القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية، على اعتبار أن السفير شيباني لم يُعتمد بعد رسمياً من قبل الدولة اللبنانية، ولم يقدّم أوراق اعتماده ولم يُستكمل قبول اعتماده أصولاً، وبالتالي فإن المخاطبة الديبلوماسية ستتم عبر القائم بالأعمال.

وتضيف المعلومات أن ما تم شرحه للرئيسين كان واضحاً ومحدداً: استدعاء القائم بالأعمال الإيراني لإبلاغه اعتراض لبنان، على ما تعتبره الدولة اللبنانية أدواراً وتحركات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية، ووضع هذا الاعتراض في إطاره الديبلوماسي والسيادي، من دون الذهاب إلى أي خطوة تصعيدية إضافية.

لكن، وبحسب الأوساط نفسها، فإن المفاجأة وقعت لاحقاً، حين تبيّن من خلال الإعلام أن القرار تخطى الاستدعاء الديبلوماسي وتوجيه رسالة احتجاج، إلى إعلان اعتبار السفير الإيراني المعتمد في لبنان شخصاً غير مرغوب فيه (Persona Non Grata)، وهو ما لم يكن، وفق هذه الأوساط، ما جرى عرضه أو التفاهم عليه مع المرجعيات الرسمية المعنية.

بعبدا تفاجأت… وسلام أُبلغ بالأمر نفسه

وتؤكد الأوساط أن رئيس الجمهورية لم يكن في وارد فتح هذا الاشتباك السياسي – الديبلوماسي في هذا التوقيت الحساس، لا سيما في ظل الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان، وما تفرضه من أولوية مطلقة، عنوانها تجنيب البلاد أي انفجار داخلي إضافي.

وتضيف أن رئيس الحكومة نواف سلام تلقّى بدوره العرض نفسه الذي قُدّم لرئيس الجمهورية، أي أن الخطوة ستكون محصورة باستدعاء القائم بالأعمال، وتسجيل اعتراض رسمي لبناني، لا أكثر ولا أقل، قبل أن يتبيّن لاحقاً أن القرار ذهب أبعد من ذلك بكثير، ما أثار علامات استفهام كبرى داخل السلطة حول من قرر؟ وكيف؟ وبأي غطاء؟

أوساط مطلعة: ما جرى يفتح إشكالاً دستورياً واضحاً

وترى أوساط سياسية مطلعة أن ما جرى يفتح الباب أمام إشكال دستوري وسيادي وسياسي كبير، لأن قبول اعتماد السفراء أو رفضهم، ليس شأناً يتصرف به وزير الخارجية منفرداً.

وتشير هذه الأوساط إلى أن الدولة اللبنانية، ممثلة برأس الدولة، هي المرجع الذي يقبل اعتماد السفير أو يرفضه حسب الدستور والمادة ٩ من اتفاقية فيينا، وبالتالي فإن أي خطوة بهذا المستوى لا يمكن أن تُتخذ بمعزل عن رئيس الجمهورية، أو خارج الأصول الدستورية والديبلوماسية المعتمدة.

وتضيف الأوساط أن الوزير تصرف وكأن الأمر يدخل حصراً في صلاحياته، في حين أن المسألة – وفق هذا المنطق – تتصل مباشرة بعلاقة لبنان الرسمية بدولة أجنبية، وبموقع رئاسة الجمهورية في النظام اللبناني، وبمفهوم الدولة نفسها في إدارة الملفات السيادية الكبرى.

لماذا ذهب الوزير أبعد مما تم الاتفاق عليه؟

السؤال الذي يتردد في الأوساط السياسية اليوم ليس فقط: هل كان القرار سليماً أم لا؟ بل أيضاً: لماذا جرى الذهاب إليه بهذه الطريقة، وفي هذا التوقيت، وبهذا الأسلوب؟

تلفت هذه الأوساط إلى ما تعتبره مؤشراً سياسياً بالغ الدلالة، يتمثل في أن الوزير أعلن القرار قرابة الساعة الواحدة والربع ظهراً، قبل أن يخرج رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع بعد نحو نصف ساعة فقط، عبر إحدى نشرات الأخبار، ليؤكد أهمية القرار وصوابيته وأحقيته، في مشهد قرأته الأوساط على أنه يوحي بوجود تنسيق سياسي – حزبي مسبق.

ومن هنا، تذهب هذه الأوساط إلى طرح سؤال مباشر: هل كان التنسيق قائماً بين الوزير ورئيس حزبه، أكثر مما كان قائماً بين الوزير ورئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة؟

لبنان بغنى عن فتح جبهة داخلية جديدة

وتشدد الأوساط على أن رئيس الجمهورية، وفق ما نُقل عنه في الكواليس، يعتبر أن لبنان ليس بحاجة اليوم إلى معركة داخلية إضافية، في ظل ما يتعرض له من حرب إسرائيلية مدمرة، وضغوط أمنية وسياسية واقتصادية غير مسبوقة.

ففي نظر هذه الأوساط، فإن الأولوية ليست تسجيل نقاط سياسية داخلية أو افتعال اشتباكات ديبلوماسية كبرى، انما حماية الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي، ومنع انزلاق البلاد إلى أزمة سياسية أو حكومية جديدة، قد تدفعها إلى مزيد من الانقسام والتفكك.

وتضيف: لبنان اليوم في قلب العاصفة، وأي قرار غير محسوب قد يتحول إلى شرارة داخلية، في وقت يفترض أن تنصرف الدولة كلها إلى مواجهة خطر الحرب لا إلى فتح معارك جانبية داخلية.

لماذا لبنان وحده ذهب الى هذا الحد؟

وتبدي الأوساط نفسها استغراباً شديداً من الذهاب إلى خيار طرد السفير الإيراني، في حين أن دولاً عربية أخرى تعرضت لاستهداف مباشر من إيران، ولم تذهب إلى هذا الحد. وتشير الاوساط الى إلى أن بعض هذه الدول اكتفت في الحد الأقصى بإجراءات أقل مستوى، مثل التعامل مع ملحقين عسكريين أو أمنيين، في سياق الاعتراض على أدوار عسكرية أو أمنية، لكنها لم تُقدم على طرد السفير نفسه، لما لذلك من دلالات سياسية وديبلوماسية كبرى.

ومن هنا، تسأل الأوساط: لماذا ذهب لبنان إلى الخيار الأكثر تفجيراً؟ ولمصلحة من؟ ولإرضاء من؟ وهل كان المطلوب استثمار سياسي داخلي في لحظة إقليمية شديدة الخطورة؟

تسريب "تنفيذ القرار" زاد الأمور تعقيداً

وفي موازاة الجدل السياسي والدستوري، تتوقف الأوساط عند تسريب إعلامي وُصف بأنه بالغ الخطورة والسطحية في آن واحد ، من قبل أحد جهابذة فريق رجي في "الخارجية"، ومفاده أن الأجهزة الأمنية اللبنانية ستتولى تنفيذ القرار، إذا لم يغادر السفير الإيراني لبنان قبل يوم الأحد أو في حدّه الأقصى الأحد.

وتقول هذه الأوساط إن من سرّب هذا الكلام ارتكب خطأً فادحاً على مستوى الفهم القانوني والديبلوماسي، لأن التعامل مع البعثات الديبلوماسية لا يتم بهذه الخفة، ولا بهذه الطريقة الاستعراضية، التي توحي وكأن الدولة ذاهبة إلى مواجهة أمنية مع سفارة أجنبية.

فبحسب الأصول الديبلوماسية المعروفة، فإن حرمة البعثات الديبلوماسية ومقارّها محمية بموجب اتفاقية فيينا، ولا يمكن التعاطي معها بعقلية المداهمة أو فرض الوقائع بالقوة، كما أن الحصانات والاعتبارات الديبلوماسية تجعل من هذا النوع من التسريبات دليلاً إضافياً على حجم الارتجال الذي أحاط بالملف.

وتضيف الأوساط أن الخطير ليس فقط في القرار نفسه، بل في الطريقة التي جرى تسويقه وتسريبه والتعامل معه بها، وكأن البلد لا يقف على حافة أزمة مفتوحة أصلاً.


الأكثر قراءة

عون يرفض لقاء نتنياهو قبل انهاء الاحتلال الداخل اللبناني يهدأ وتفاهم بين المكونات على الاستقرار