تساءل المحرر الدبلوماسي في صحيفة «الغارديان» البريطانية باتريك وينتور عمّا إذا كانت الحرب على إيران تمثل بداية مرحلة جديدة في توازن القوى العالمي، أم أنها مجرد لحظة عابرة في مسار السياسة الدولية، وهل يمكن اعتبار ما يجري لحظة مفصلية للرئيس الأميركي دونالد ترامب شبيهة بما حدث للإمبراطورية البريطانية بعد تدخلها في أزمة السويس، أم أن الأمر لا يعدو كونه عاصفة سياسية مؤقتة.
ويرى وينتور أن أسلوب ترامب القائم على تضخيم الأحداث وتقديمها بلغة كارثية يتيح لبعض المعلقين المؤيدين له، مثل مارك ليفين، تصويره بوصفه رئيساً استثنائياً لا يتكرر إلا مرة كل قرن. لكن الكاتب يشير في المقابل إلى أن إدارة الحكم بهذه الطريقة لا يمكن أن تستمر بلا نهاية، وأن أي زعيم يسير على حبل سياسي مشدود معرض في النهاية للسقوط، وهو ما قد يجر الولايات المتحدة إلى تراجع حاد وغير محسوب.
ويضيف أن ترامب كثيراً ما يقدّم أوروبا على أنها تواجه تهديداً حضارياً بسبب الهجرة، لكنه في الوقت نفسه لوّح هذا الأسبوع بأن حضارة تمتد لآلاف السنين قد «تزول ولن تعود» إذا لم تستجب لمطالبه، قبل أن يتراجع لاحقاً عن هذا التهديد بعد إدراكه صعوبة تنفيذه، في خطوة اعتبرها الكاتب تراجعاً سياسياً واضحاً.
ويشير التقرير إلى أن هذا التراجع لم يكن الأول، إذ وقعت حالة ارتباك كبيرة داخل الإدارة الأميركية بشأن تفاصيل ما جرى في المحادثات، وكيف فُهمت بعض التفاهمات بشكل مختلف بين الأطراف، بما في ذلك تفسير وقف إطلاق النار، وما إذا كان يشمل مناطق متعددة أم لا، إضافة إلى اختلاف الروايات حول ما تم الاتفاق عليه فعلياً خلال المفاوضات.
وبحسب الكاتب، فإن الدبلوماسيين الإيرانيين يرون أن المشكلة الأساسية تكمن في فقدان الثقة، وأن واشنطن لم تكن واضحة في التزاماتها، وأن الحديث عن وقف إطلاق النار أو فتح الممرات البحرية كان يتضمن وعوداً أكبر مما يمكن تنفيذه فعلياً، وهو ما أدى إلى مزيد من الشكوك بين الطرفين.
ويؤكد وينتور أن هذه ليست المرة الأولى التي تشعر فيها طهران بعدم الثقة تجاه الولايات المتحدة، إذ تعتبر أن سجل التعاملات السابقة مليء بالتناقضات، وأن السياسات الأميركية كثيراً ما تتغير بتغير الظروف السياسية الداخلية في واشنطن، ما يجعل أي اتفاقات عرضة للاضطراب.
ويضيف أن البيت الأبيض وجد نفسه في مواجهة انتقادات داخلية وخارجية، بالتزامن مع إدراكه أن التصعيد العسكري أو السياسي لا يمكن التحكم بنتائجه بسهولة، خاصة في ظل تشابك الملفات الإقليمية، من لبنان إلى الخليج ومضيق هرمز، وما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية واسعة.
ويشير التقرير إلى أن الفوضى السياسية في تلك المرحلة لم تكن نتيجة أحداث خارجية فقط، بل أيضاً نتيجة قرارات وتصريحات صادرة عن الإدارة الأميركية نفسها، إضافة إلى سوء فهم متبادل بين الأطراف المشاركة في الوساطة، بما في ذلك ما يتعلق بوقف إطلاق النار وتفسير بنوده.
ويتابع الكاتب أن إيران ترى أن الهدف الأميركي لم يكن الوصول إلى تسوية مستقرة، بل اختبار ردود الفعل وإدارة الضغط السياسي، وأن أي حديث عن تهدئة كان يحمل في طياته شروطاً غير قابلة للتطبيق، الأمر الذي أدى إلى انهيار سريع في التفاهمات.
كما يلفت إلى أن بعض المقترحات التي طُرحت في تلك المرحلة، سواء المتعلقة بتخفيف التوتر أو إعادة فتح الممرات البحرية أو ضبط البرنامج النووي، واجهت رفضاً أو تحفظاً من أطراف داخل إيران، خصوصاً التيارات الأكثر تشدداً، ما زاد من تعقيد المشهد.
ويؤكد وينتور أن الولايات المتحدة لا تملك حتى الآن رؤية واضحة للتعامل مع التغيرات داخل إيران، إذ تتأرجح سياساتها بين خيار الضغط الكامل أو محاولة دفع تغيير داخلي، دون وجود استراتيجية طويلة المدى متماسكة.
ويشير كذلك إلى أن أوروبا وجدت نفسها خارج دائرة التأثير الفعلي في هذه التطورات، رغم تأثرها المباشر بها، سواء على مستوى الطاقة أو الاقتصاد أو الأمن، وهو ما أثار حالة من الغضب داخل بعض العواصم الأوروبية بسبب تهميش دورها.
وفي المقابل، يلفت الكاتب إلى أن إيران، رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية، لا تزال تحتفظ بأوراق قوة مهمة، سواء عبر موقعها الجغرافي أو قدرتها على التأثير في الممرات البحرية أو علاقاتها الإقليمية، ما يجعل التعامل معها أكثر تعقيداً.
ويحذر وينتور من أن القيادة الإيرانية قد تقع في خطأ المبالغة في تقدير قوتها، رغم وجود أصوات داخلية إصلاحية تدعو إلى حلول تفاوضية تشمل تخفيف التوترات النووية وإعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي، لكن هذه الأصوات تواجه معارضة شديدة من التيارات المتشددة.
ويشير إلى أن الخلاف داخل إيران حول مستقبل السياسة الخارجية يعكس انقساماً أعمق حول شكل العلاقة مع الغرب، وحول ما إذا كان ينبغي الاستمرار في المواجهة أو الانتقال إلى تسويات تدريجية.
ويختتم الكاتب بالإشارة إلى أن استمرار هذا الوضع المعقد يضع أوروبا أمام خيارات صعبة بشأن علاقتها بالولايات المتحدة، خاصة في ظل شعورها بأنها مستبعدة من القرارات الكبرى، وأنها تتحمل تبعات سياسات لا تشارك في صنعها.
ويخلص إلى أن السؤال الجوهري يبقى مفتوحاً: هل ما يجري هو بداية تراجع كبير في النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، أم مجرد أزمة مؤقتة ستنتهي كما بدأت، لكن مع آثار عميقة قد تغير شكل العلاقات الدولية لسنوات طويلة، وربما تفتح الباب أمام صعود قوى جديدة في النظام العالمي.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
12:44
الفاتيكان: البابا ليو الثالث عشر ينتقد قادة العالم الذين يدعمون الحروب بدلاً من إطعام الجياع: الأولويات العالمية منحرفة بشدة
-
12:44
الفاتيكان: البابا ليو الثالث عشر منتقداً قادة العالم لدعمهم الحروب بدلا من إطعام الجياع: يعكس خللاً جوهرياً في الأولويات السياسية والأخلاقية
-
12:38
غوتيريش: أي اتفاق سلام سيخفف تداعيات أكبر أزمة في أسواق الطاقة سببها الصراع في الشرق الأوسط
-
12:31
تحقيق للأمم المتحدة: "إسرائيل" ارتكبت إبادة في غزة وكبار المسؤولين الإسرائيليين بمن فيهم نتنياهو حرّضوا على هذه الأعمال
-
12:30
تحقيق للأمم المتحدة: "إسرائيل" استهدفت الأطفال الفلسطينيين عمداً ما أدى إلى ارتكاب جرائم حرب في غزة والضفة الغربية المحتلة
-
12:30
تحقيق للأمم المتحدة: نحو 30% من الضحايا في حرب غزة كانوا من الأطفال
