اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كشفت صحيفة "الإندبندنت" عن تأزم حاد في العلاقات بين واشنطن وبرلين، إثر تبنّي المستشار الألماني فريدريش ميرتس، نهجاً صارماً تجاه السياسات الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويسعى ميرتس، عبر انتقاداته العلنية، إلى دفع الرئيس الأميركي لإعادة ترتيب أولوياته، والالتفات لحماية حلفاء واشنطن، بدلاً من التركيز المفرط على علاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

هشاشة تاريخية

وأكدت الصحيفة أن هذا الصدام وضع حلف شمال الأطلسي "الناتو"، في حالة من الهشاشة التاريخية، تزامناً مع ابتعاد إسبانيا عن التنسيق مع الإدارة الأميركية.

علاوة على ذلك، تتعامل العواصم الغربية اليوم مع علاقة ترامب بالكرملين بوصفها "حالة طوارئ" دبلوماسية، متجاوزةً بذلك القلق التقليدي من القوة العسكرية الروسية الخشنة أو عملياتها الناعمة.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه التوترات الداخلية أربكت حسابات القادة العسكريين المسؤولين عن تشغيل الآلة الحربية للحلف، حيث بات التنسيق الميداني رهيناً بالتجاذبات السياسية الحادة والمفاجئة بين الحلفاء.

وبحسب التقرير، تستفيد روسيا والصين بشكل مباشر من هذا التفكك، إذ يعزز ضعف الناتو نفوذ القوى المنافسة للغرب، ويمنح موسكو فرصة ذهبية لتقويض الوحدة الأوروبية-الأميركية التاريخية.

مواجهة مباشرة

وتبنّى ميرتس أسلوب المواجهة المباشرة، معتبراً أن الهجمات الأميركية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، وما تبعها من تعثر في جهود التهدئة، قد تسببت في إهانة واشنطن دولياً.

وأشار ميرتس إلى أن القيادة الإيرانية استغلت الموقف لإحراج الإدارة الأميركية، معرباً عن أمله في انتهاء هذا المشهد الذي يمس هيبة حلفاء الناتو في الشرق الأوسط، بحسب الصحيفة. 

في المقابل، أثارت  هذه التصريحات غضب ترامب، فلوّح بسحب القوات الأميركية من ألمانيا، مهدداً بنقل هذه الإجراءات إلى إيطاليا وإسبانيا لرفضهما التعاون العسكري في الملف الإيراني.

وهاجم ترامب الحلفاء بحدة قائلاً إن إيطاليا لم تكن عوناً لبلاده، بينما وصف الموقف الإسباني بـ"المروع"، مما زاد من وتيرة التلاسن الدبلوماسي بين ضفتي الأطلسي.

وتتزامن هذه الأزمات مع انطلاق مناورة "سورد 26" العسكرية، التي يشارك فيها آلاف الجنود الأميركيين والأوروبيين لتدريب القوات على العمليات من البلطيق إلى البحر الأسود.

من جهته، شدد القائد الأعلى لقوات الناتو، الجنرال أليكسوس جرينكيفيتش، على ضرورة الحفاظ على القواعد الأميركية في أوروبا، مؤكداً أنها الركيزة الأساسية لخيارات الرئيس العسكري في الأزمات.

وفي ظل هذا التوتر، يبذل العسكريون الأميركيون والأوروبيون جهوداً مضنية للحفاظ على تماسك الحلف، رغبةً منهم في حماية البنية الدفاعية من التقلبات السياسية التي تفرضها قرارات البيت الأبيض.

فجوة عميقة

وتدرك أوروبا أن الرد على التهديدات الروسية الهجينة والتقليدية يستلزم دعماً أمريكياً، رغم غضب الحلفاء من انفراد ترامب بقرارات عسكرية هجومية دون أدنى تنسيق مسبق.

وبحسب مراقبين، تناسى ترامب أن الناتو منظمة دفاعية بحتة وليست أداة هجومية، وهو فارق جوهري تسبب في فجوة عميقة بين رؤيته ورؤية القادة الأوروبيين للحلف.

وأشارت الصحيفة إلى إن القواعد الأمريكية في أوروبا، وخاصة قاعدة رامشتاين في ألمانيا، تمثل العصب الحيوي لقدرة واشنطن على بسط نفوذها العسكري في إفريقيا والشرق الأوسط والساحل الإفريقي.

إذ يتمركز نحو 90 ألف جندي أمريكي في القارة العجوز، وتعد ألمانيا المركز اللوجستي والطبي الأهم لهم، مما يجعل تهديدات ترامب بالانسحاب بمثابة "إطلاق نار على الذات".

وتأسيساً على ما سبق، انتقد النائب الجمهوري دون بيكون، هذه التهديدات، مؤكداً أن المطارات الكبرى في ألمانيا تمنح واشنطن وصولاً استراتيجياً لثلاث قارات، وأن خسارتها تضعف المصالح الأمريكية أولاً. 

سلوك متقلب

بينما لم تتوقف استهدافات ترامب عند ألمانيا، بل امتدت لتشمل تهديد إسبانيا بالطرد، وتقويض مطالب بريطانيا في جزر "فوكلاند"، فضلاً عن أطماعه القديمة في احتلال جرينلاند.

ووصف النقاد سلوك ترامب بـ "المتقلب"، معتبرين أن عدم ثبات مواقفه تجاه أوكرانيا وروسيا يربك الحلفاء ويمنح الخصوم ميزة استراتيجية لم يحلموا بها من قبل.

فيما انتهج ميرتس سياسة صارمة للحد من انزلاق الحلف نحو التفكك، مفضلاً الصدام المباشر على سياسة "القوة الناعمة" التي اتبعتها بريطانيا عبر الزيارات الملكية لتهدئة ترامب.

ويظل التحدي الأكبر أمام القادة الأوروبيين هو إدراك حقيقة أن الرئيس الأميركي الحالي بات يوجه إهاناته للأصدقاء، في حين يمتنع عن توجيه أي نقد حقيقي لروسيا.

الأكثر قراءة

جنيف تظلل مفاوضات واشنطن...هل يستفيد لبنان؟ «فيتوات» عدة... ورهان على بدء الانسحاب التدريجي!