اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

سلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على تمدد نفوذ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والذي بات يخطو بثبات نحو تحقيق رؤيته المتمثلة في الهند، خالية تماماً من المعارضة السياسية المؤثرة.

جاء هذا التحول الجذري عقب انتصار كاسح حققه حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم في ولاية البنغال الغربية، مما أدى إلى تقويض آخر معاقل القوى الإقليمية التي كانت تقف حائلاً أمام طموحات "مودي" السياسية.

وتعود جذور هذه الاستراتيجية إلى العقد الماضي، حين أطلق مودي شعار "هند بلا حزب المؤتمر"، مستهدفاً تصفية الإرث السياسي للحزب الذي أسس الهند المستقلة وصاغ هويتها التعددية لعقود طويلة من الزمان.

تجرع حزب المؤتمر الهندي مرارة الهزيمة منذ العام 2014، حيث تهاوت مقاعده البرلمانية من 206 مقاعد إلى 44 فقط، ليفقد بذلك قبضته التاريخية على مفاصل الدولة ويفشل في استعادة توازنه حتى اللحظة.

وامتدت آلة مودي الانتخابية لتطال الولايات، حيث يسيطر تحالفه الحاكم حالياً على 21 ولاية، بينما انحسر نفوذ حزب المؤتمر الهندي في أربع ولايات فقط، مما يعكس اختلالاً حاداً في ميزان القوى السياسية.

وعلى وقع هذا التراجع، برزت الأحزاب الإقليمية كخط دفاع أخير ضد الأجندة القومية الهندوسية، وتصدى قادة كاريزميون مثل ماماتا بانيرجي وإم كيه ستالين لمد حزب "بهاراتيا جاناتا" في الشرق والجنوب.

لكن رياح التغيير عصفت بهؤلاء القادة هذا الأسبوع، إذ مني كل من بانيرجي وستالين بهزائم انتخابية مريرة، ليجد مودي نفسه وحيداً في سدة الحكم دون منافسة تذكر من خصومه التقليديين.

وبات المشهد السياسي الهندي يشبه إلى حد كبير "دولة القائد الواحد"، وهو واقع لم تألفه البلاد منذ حقبة "حالة الطوارئ" في السبعينيات، حين تم تعليق العمل بالمبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية.

وبينما قامت رؤية جواهر لال نهرو على التعددية التي تماشي التنوع الديني واللغوي، يفرض حزب مودي اليوم رؤية "الأمة الهندوسية الأرثوذكسية" التي تمتد جذورها الفكرية إلى أكثر من مئة عام.

واعتمد مودي في توسعّه على تنظيمٍ حزبي فائق الانضباط، ينجح في توحيد الكتل الهندوسية المتفرقة تحت راية واحدة، مستفيداً من تحالفات وثيقة مع طبقة رجال الأعمال والمانحين الكبار في البلاد.

ويرى أنصار الحزب الحاكم أن هذه الانتصارات ثمرة عمل دؤوب وتواصل مباشر مع الناخبين، خاصة بعد انتكاسة انتخابات 2024 التي شهدت تراجعاً نسبياً للحزب بسبب أزمات البطالة واللامساواة الاقتصادية.

ووصف مراقبون سياسيون مودي في تلك المرحلة بـ "النمر الجريح"، الذي استطاع استعادة زمام المبادرة والعودة بقوة أكبر لتصفية حساباته السياسية وتثبيت أركان حكمه المطلق عبر استراتيجيات انتخابية محكمة.

في المقابل، يتهم المعارضون الحكومة المركزية باستخدام أدوات الدولة للضغط على الخصوم، وتوظيف الأجهزة الأمنية لملاحقة القادة السياسيين بتهم يصفونها بالكيدية، بهدف إفراغ الساحة السياسية من أي صوت ناقد.

وشهدت سجلات الناخبين عمليات "تطهير" واسعة أثارت جدلاً كبيراً، حيث تم شطب ملايين الأسماء بحجة التنظيم، وهو ما اعتبرته الأقليات، وخاصة المسلمين، استهدافاً ممنهجاً لحرمانهم من حقهم في التصويت.

ورغم هذه الاتهامات، يبدو أن الشارع الهندي بات يميل نحو التغيير في بعض الولايات، حيث سئم الناخبون من وعود الأحزاب الإقليمية القديمة، وانجذبوا نحو الوعود الاقتصادية والخدمية التي يروج لها مودي. وتجاوز مودي بذكاء القضايا العقائدية الصاخبة، مثل بناء المعابد وإلغاء الحكم الذاتي لكشمير، ليركز في حملاته الأخيرة على قضايا "العيش الكريم" وتوزيع المساعدات الاجتماعية، مما عزز شعبيته لدى الطبقات الفقيرة. وسقطت معاقل سياسية تاريخية واحداً تلو الآخر، بدءاً من هاريانا ووصولاً إلى مهاراشترا، العاصمة التجارية للهند، حيث نجح الحزب الحاكم في تفتيت التحالفات المحلية وجمع النصر من بين أنياب المنافسين. وحتى العاصمة دلهي، التي استعصت على مودي لسنوات طويلة، خضعت أخيراً لنفوذ حزب "بهاراتيا جاناتا"، بعد الإطاحة بأرفيند كيجريوال الذي طالما اعتبر نفسه البديل الأخلاقي والسياسي لنموذج مودي القومي. 

وفي الجنوب، حيث تسود الهوية الثقافية المستقلة، أفسحت الأحزاب التقليدية المجال لظهور وجوه جديدة، مما يعكس رغبة شعبية في كسر الجمود السياسي، وهو ما صب في نهاية المطاف لصالح مودي.

ويواجه الاقتصاد الهندي تحديات جسيمة، من تضخم وارتفاع في أسعار الوقود، إلا أن الماكينة الانتخابية للحزب الحاكم نجحت في تحييد هذه الأزمات ومنع تحولها إلى غضب شعبي يطيح بنتائج الصناديق.

ويبرز التساؤل اليوم حول مستقبل الديمقراطية في الهند، في ظل قيادة راهول غاندي لمعارضة توصف بالضعيفة والمشتتة، مما يجعل الطريق ممهداً لمودي لاستكمال مشروعه السياسي دون عوائق حقيقية.

وخلص تقرير الصحيفة إلى إن الديمقراطية الحقيقية لا تقتصر على وجود حزب حاكم قوي، بل تتطلب معارضة صلبة قادرة على المحاسبة، وهو ما تفتقده الهند اليوم في ظل سطوة الحزب الواحد.

الأكثر قراءة

عون يرفض لقاء نتنياهو قبل انهاء الاحتلال الداخل اللبناني يهدأ وتفاهم بين المكونات على الاستقرار