«قد يكون من الخطير أن تكون عدوا لأميركا. لكن من المميت أن تكون صديقا لها». استنتاج ذهب إليه المفكر السياسي ووزير الخارجية السابق هنري كيسنجر وهو ناجم عن معرفة بالدولة العميقة وبتجربة سياسية فيها وخبرة عميقة وغير محدودة.
معادلة هنري كيسنجر تعرفها جيدا ايران وتأخذها في الإعتبار. كما تعرف أن هناك تعارضات بين المصالح الأميركية والمصالح الايرانية في الخليج والشرق الأوسط وفي المضائق البحرية وتحديدا مضيق هرمز وباب المندب وبوابات البحار القريبة خصوصا وأن ايران مقيمة في جغرافيا المنطقة ولاعب أساسي فيها فيما الولايات المتحدة بعيدة عنها آلاف الكيلومترات وتقيم في قواعد عسكرية أو في البحار. والملاحظ أن القواعد العسكرية الأميركية عجزت في الحرب عن حماية نفسها من الصواريخ والطائرات المسيّرة الايرانية كما أنها عرّضت للخطر أمن الدول الخليجية العربية. أما الأساطيل الأميركية لم تستطع أن تمنع طهران من التحكّم بمضيق هرمز وأسواق النفط والإقتصاد العالمي والأسواق المالية الأميركية ما جعل الدول الخليجية تبحث عن «شبكة أمان» من خارج المظلة الأميركية بعد أن أثبتت معادلة كيسنجر في قسمها الأخير «من المميت أن تكون صديقا لأميركا» خصوصا وأن «الحصار البحري» للمرافئ الايرانية هو حصار تعوّدت ايران لأربعين سنة خلت على التكيّف معه. وهو حصار تتضرر منه كل دول العالم في النفط والإقتصاد والغذاء والأسعار ولا تنجو منه الولايات المتحدة الأميركية ولا يُنجم حلا لمضيق هرمز.
وفي مراجعة التاريخ القريب تخلّت الولايات المتحدة الأميركية عن صديقها الرئيس المصري حسني مبارك وقبله عن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وكذلك عن الرئيس الليبي معمّر القذافي. وكل ذلك في سياسات براغماتية عنوانها لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة وإنما تكيّف مع مصالح متغيرة واستنزاف «العصير في الليمونة» على ما يقول المثل الشعبي.
الملاحظ أن المسار الأميركي – الايراني للتفاوض بالواسطة يشهد مرونة من الطرفين الأميركي والايراني يمكن أن يُنتج «مخارج صعبة» للحرب أو دفعا باتجاه» خاطفة محدودة» تنتهي إلى تحريك المفاوضات وفق قواعد جديدة تنتهي بقواسم مشتركة للمصالح المتعارضة وتعيد رسم دوائر النفوذ في المنطقة وتغيير في خرائط وحدود بعض دولها بحيث لا يعود هناك «ملاذات مالية آمنة» سابقة.
والمرونة المتبادلة المشار إليها تتبدى في «الأوراق» التي تتبادلها واشنطن وطهران عبر الوسيط الباكستاني والتي تجلّت في موضوع التخصيب النووي والودائع المالية ورفع العقوبات وفي إيجاد العلاجات الممكنة للحصار البحري ولمضيق هرمز وفي تنظيم العلاقة للدول المطلّة على الخليج. وهي مرونة مصحوبة على مضيق هرمز بتصعيد مدروس تحت «عنوان انساني» من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فالمضيق أصبح وفقا لما صرّح به وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لـ»فوكس نيوز» قبل أيام «في مثابة سلاح نووي اقتصادي تحاول ايران استخدامه ضد العالم». وهذا «نوع من اعتراف أميركي بالقوة الاستراتيجية الايرانية التي تُستخدم للضغط على الولايات المتحدة الأميركية القوة النووية العظمى» على ما يستنتج المستشار السياسي لوزارة الخارجية الروسية الباحث رامي الشاعر.
كما أن التوقعات من موسكو بكون تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستئناف القتال وإبادة ايران أو إعادتها إلى العصر الحجري هو تحوّل للأزمة الراهنة من «أزمة حركة» إلى «أزمة وجود». أي أن النفط كان موجودا في أزمة الركود التضخمي في سبعينات القرن الماضي الناجم عن صدمتي النفط (1973 – 1979) ولا يصل. أما الآن فهو يقف أمام تهديد وجودي مدمّر. كما تتوقع موسكو في حال «إغلاق المفاوضات» بوصول سعر برميل النفط إلى 200 دولار ما يستتبع موجات تضخم عاتية وتوترات سياسية على مستوى العالم ومجاعات وأوبئة وبيئة ملوّثة.
لكن ما مضمون الرسالة الفعلية للرئيس ترامب في مضيق هرمز والتي تتجاهلها طهران ويتغاضى عنها الحرس الثوري تحديدا المشرف على المضيق؟
قبل فترة تمّ طرح سؤال على الرئيس ترامب في مؤتمر صحفي «من يدير مضيق هرمز» فأجاب «أنا والمرجع الروحي في ايران». وإدارة المضيق بالمعنى الذي ذهب إليه سيد البيت الأبيض تعني «تقاسم المردود المالي عبر الرسوم والتحكّم المشترك بالمضيق». إنما الذي يحصل حاليا هو أن المرونة الايرانية برزت في موضوع التخصيب النووي وفي مجالات أخرى. إنما هي متشددة في موضوع المضيق الذي تحصر الإشراف عليه مبدئيا مع دولة عمان وبتنسيق مدروس مع الدول المطلة على الخليج من ضمن منظور الأمن القومي كما تجد فيه نافذة لدور اقليمي.
أما الرئيس ترامب فيريد في مضيق هرمز منفذا على النفط وحضورا أميركيا في الخليج وما هو عنصر تواصل مع قواعد عسكرية أميركية أثبتت في الحرب فعالية محدودة. وبهذا المعنى إبداء مرونة ايرانية إضافية إزاء إدارة مشتركة بين طهران وواشنطن في المضيق هو خيار يلجم توقعات رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو التي تعتبر أنه على خطوة من معاودة الحرب التي يستعد إليها.
في كل الأحوال الخيارات في التفاوض أو في الحرب متجاورة. فالرئيس ترامب يحسن المشي على حافة الهاوية كما أن الحرس الثوري يتقن ذلك ويملك الصبر الطويل. واستطرادا هناك تردد أميركي في خيار حرب مدمرة تذهب بنتائجها إلى حيث لا يتوقعه الطرفان الأميركي والايراني وتعطي حيزا إضافيا من النفوذ الإقتصادي والسياسي والدولي لموسكو وبكين.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:09
الصحة: استشهاد مسعف وجرح آخر في استهداف مباشر في مجدل سلم
-
00:08
سماع دوي انفجارات في دبي
-
00:00
"فوكس نيوز" عن مسؤول أميركي كبير: الجيش الأميركي نفذ اليوم هجمات على ميناء قشم الإيراني ومدينة بندر عباس
-
00:00
"فوكس نيوز" عن مسؤول أميركي كبير: الهجمات لا تعني نهاية وقف إطلاق النار مع إيران
-
23:56
وكالة مهر: دوي انفجار في منطقة ميناب جنوبي إيران
-
23:52
وزارة الخارجية الايرانية: نشدّد على مسؤولية مجلس الأمن الدولي وجميع الحكومات في محاسبة ومعاقبة المجرمين
