اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لا شيء محسوما حتى الآن في ما يتعلّق بهوية وماهية القوة التي قد تخلف "اليونيفيل" على الحدود الجنوبية للبنان. ولا توجد صيغة نهائية متفق عليها دولياً بشأنها. غير أنّ الجميع متفق على عدم ترك الأمن الحدودي الجنوبي للفراغ. والثابت حتى الآن أنّ مجلس الأمن كان قد أقرّ بالفعل في آب من العام الفائت، تمديداً أخيراً لقوات "اليونيفيل" حتى 31 كانون الأول 2026، مع طلب واضح إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة، بتقديم خيارات مستقبلية بشأن تنفيذ القرار 1701 بحلول حزيران من هذا العام.

وبدأت عملياً نقاشات أميركية وأوروبية وأممية مكثّفة في وقت مبكر، يُفترض ان تتبلور قبل نهاية أيار الجاري، تمهيداً لجلسة مجلس الأمن المرتقبة لتحديد اتجاه المهمة المقبلة: إما تعديل جذري في صلاحيات "اليونيفيل"، أو إطلاق مسار إنتقالي نحو قوة بديلة تحمل تركيبة جديدة وقواعد اشتباك مختلفة. علماً بأنّ أي تفويض جديد يحتاج إلى طلب من الحكومة اللبنانية.

ومع تولّي مندوب الصين لدى الأمم المتحدة فو كونغ، رئاسة مجلس الأمن لشهر أيّار الحالي، الذي اعتبر أنّ "الظروف الإقليمية الحالية لا تسمح بسحب القوة الدولية من جنوب لبنان"، ظهر للمرة الأولى وجود تباين دولي واضح حول مستقبل القوة الأممية، بعدما بدا سابقاً أنّ قرار إنهاء المهمة يسير تلقائياً نحو التنفيذ.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا يتمّ إنهاء وجود ومهام "اليونيفيل"؟ وما الجدوى من استبدالها بقوّات متعددة الجنسيات بإطار أممي، مشاركة أساساً في "اليونيفيل" مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وسواها؟ تجيب مصادر سياسية مطلعة بأنّ "ثمّة اقتناعا متزايدا داخل دوائر غربية بأنّ نموذج "اليونيفيل التقليدي" تحوّل إلى قوة مراقبة، وأثبت محدودية قدرته على فرض التطبيق الميداني للقرار 1701 ، لا سيما بعد الحرب الأخيرة بسبب قواعد الاشتباك الضيّقة. وكشفت تصريحات رئيس عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة جان بيار لاكروا، أنّ المنظمة الدولية تعمل بالفعل على خيارات متعدّدة للإبقاء على شكل من أشكال الوجود الأممي بعد انتهاء التفويض الحالي لليونيفيل. كما أنّ لبنان قد أبلغ المنظمة بوضوح عن رغبته في استمرار هذا الوجود. والنقاش الدولي والأوروبي الدائر حالياً بجدية لحسم الأمر، لا يُركّز فقط على بقاء "اليونيفيل" أو رحيلها، ولا يتعلّق بجنسيات القوّات، إنّما بطبيعة القوة التي يفترض أن تتولّى أمن الحدود.

لذلك فالتوجّه المطروح اليوم، وفق المصادر، يتمحور حول تشكيل قوّة دولية متعدّدة الجنسيات بإطار أممي، تكون أكثر مرونة، مدعومة تقنياً واستخباراتياً، وتعمل بالتنسيق المباشر مع الجيش اللبناني ولجنة مراقبة وقف النار (الميكانيزم) التي تقودها الولايات المتحدة. وقد تضمّ عملياً الدول الأوروبية نفسها المشاركة حالياً في "اليونيفيل"، والتي أبدت استعدادها للمشاركة في القوّة البديلة، ولكن ضمن صلاحيات أوسع وقواعد إشتباك جديدة، وتفويض مختلف بالكامل يمنحها حرية حركة أوسع، وقدرات مراقبة واستخبارات متطوّرة، وحقّ الرد على أي استهداف مباشر تتعرّض له.

لكن في المقابل، تخشى أطراف دولية، بينها الصين ودول أوروبية، من أن يؤدي أي انتقال متسرّع نحو قوة أكثر تشدّداً، أو أقرب إلى الفصل السابع، إلى تحويل الجنوب اللبناني إلى ساحة إشتباك مفتوحة، بدلاً من تثبيت الأمن والاستقرار فيه. علماً بأنّ الانتقال الكامل إلى هذا الفصل لا يزال موضع تردّد أوروبي، بسبب خشية تحويل الجنوب إلى ساحة صدام مباشر مع حزب الله.

وتدفع "إسرائيل" بقوة نحو هذا التحول، على ما توضح المصادر، بعدما اتهمت "اليونيفيل" مراراً بالعجز عن منع تموضع حزب الله قرب الخط الأزرق، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن ولايتها الحالية لا تسمح لها بعمليات نزع سلاح أو اقتحام واسع، من دون موافقة لبنانية.

لكن العواصم الأوروبية تدرك أيضاً أنّ أي قوة جديدة، مهما بلغت صلاحياتها، ستفشل إذا لم تتوافر ثلاثة عناصر هي: غطاء سياسي لبناني واضح، تفاهم أميركي – فرنسي مستقر مع "إسرائيل"، وربط المهمة الجديدة بخطة أوسع لتثبيت وقف النار، ومنع العودة إلى الحرب. ولهذا تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة، ليس فقط لمصير "اليونيفيل"، بل لشكل الجنوب اللبناني نفسه في مرحلة ما بعد الحرب.



الأكثر قراءة

التصعيد يسبق المُفاوضات... ولبنان يُعوّل على واشنطن الخلافات تحاصر «العفو العام»… وشكوك حسمه في اللجان غداً