اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تعريف الإنسان «بصوته ووجهه»، مقاربة جديدة طرحها قداسة البابا ليون الرابع عشر في تفسيره للعلاقة بين الإنسان ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي والالكتروني والذكاء الإصطناعي.

تأملات طرحها بابا الفاتيكان، لتكون مكان نقاش وحوار من ضمن رؤية فلسفية ببعدين متشابكين ديني وإعلامي، خصوصا في ظل الذكاء الإصطناعي، الذي يملك وظيفة البناء ووظيفة الهدم وتعطيل العقل والإدراك. وهذه التأملات التي تربط الكلمة مع الصور والأحداث بالرموز والعلامات، تنطوي على تفكير عميق، كونها ترتكز على قيم مسيحية ودينية وإنسانية، حتى لا تخرج الممارسات الإعلامية عن سياق البناء، وتنجرف إلى الإثارات السياسية والطائفية والبنيوية والشخصية، وتشويه الآخر المختلف ونبذه. وبكلام آخر توظيف الذكاء الإصطناعي بما يخدم التواصل بين البشر، لا في هدم صورة الإنسان وتعطيل القدرة الذاتية على الفهم والفكر، وإعمال العقل وتحويله إلى ببغاء اصطناعي.

في تأملاته العميقة، يحذّر البابا ليون الرابع عشر على ضرورة حماية الأصوات والوجوه البشرية، التي تشكّل ميزة فريدة لكل إنسان من التكنولوجيا الرقمية. وهذه الحماية تتم بالمعرفة والتقنيات، وتحليل المعلومات وربطها بمصادرها، والتدقيق بالغايات والمرامي، وهنا دور التربية.

فالذكاء الإصطناعي يغزو العلاقة بين البشر وكأنه العليم في كل شيء.، ويملك القدرة على الخداع، ويهدد فرصة اللقاء مع الآخر المختلف عنا. وفي هذا السياق، يحذّر البابا ليون الرابع عشر من «السيطرة الإحتكارية على أنظمة التواصل، وإعادة كتابة التاريخ بما فيه تاريخ الكنيسة». فالأنسب هو جعل تلك الأدوات حليفة لنا عبر التحكّم بها لا تحكّمها بنا، وذلك بتنمية قدراتنا الفكرية، واستعمال الذكاء الإصطناعي استعمالا مسؤولا ومدروسا.

في تأملاته، هناك مكان خاص للبنان وجنوبه والحرب عليه. فلبنان رسالة في حوار الأديان وتعايشها، وتلاقيها على قيم مشتركة وتواصلها. وهو في هذا المجال يشدد على احترام الآخر، والقبول به كما هو، والتواصل مع المختلف لا رفضه. من هنا تحذيره من الصورة السلبية،التي يمكن أن يرسمها إعلام التواصل والذكاء الإصطناعي، للعلاقة بين المكوّنات اللبنانية وتشويهها.

وأما المقاربة إلى الجنوب اللبناني فهي بكونه جزءا أساسيا من لبنان، وبوابة حضارية في العلاقة بين مكوّناته. من هنا، هو ضد الحرب الاسرائيلية على لبنان، وتهديد وحدته واقتطاع أجزاء من أراضيه وإقامة الكانتونات فيه. كما أنه، وهو الأميركي الجنسية، يعترض على الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة الأميركية على ايران، كونه يبحث عن السلام. وعندما أساء الرئيس ترامب إلى شخصه، عبر إعلام الذكاء الإصطناعي بالإستيلاء على «وجهه وصوته»، باعتباره نفسه «بابا العالم»، أسوة على الإفتراض أيضا بأنه ملك العالم، كان تعليق البابا «أنا لست بِراعٍ للحرب».

في حرصه على التواصل المسيحي - الإسلامي في لبنان، وفي مقاربته لوظيفة الإعلام فيه، يمكن البناء على تأملات البابا حول ما يذهب إليه رئيس اللجنة الأسقفية لوسائل الاعلام المطران منير خير الله، من ضرورات الحؤول دون الإثارات الطوائفية والسياسية، والترويج للكراهية والإساءة للآخر، وبث التحريض والإشاعات. فهو من الداعين إلى تطبيق القانون في حال المخالفات الصارخة. أما التطبيق فهو مسؤولية الحكومة والقضاء ووزارة الإعلام والمجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع. وأما المخرج فهو:

1 -في خطاب إعلامي هادئ.

2 - حرية إعلامية مسؤولة تشدد على الموضوعية وصحة المعلومة ونسبها إلى مصدر موثوق وفكرة المواطنة. 3- تنقية الممارسة الإعلامية من ثقافة الفتن والتفتيت والتمييز.

4 - احترام حقوق المرأة والطفل في الإعلام والإعلان.

5 - حماية الإعلاميين خلال ممارسة عملهم وفي الميدان.

6 - حصانة إعلامية للرؤساء الثلاثة والمراجع الروحية.

7 - حجب مواقع التواصل الإجتماعي المخالفة عبر وزارة الإتصالات، وسحب العلم والخبر من المواقع الالكترونية المخالفة وإحالتها إلى القضاء.

8 - تنبيه وتحذير وفرض غرامة مالية، ووقف مؤقت لبرامج التحريض والأخبار المزيّفة والضارة عند وقوعها من المؤسسات المرئية والإذاعية. وهذا يمكن أن يتم بطريقتين: إما عن طريق الحكومة،عبر توصية يرفعها المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع، استنادا للقانون المرئي والمسموع رقم 382/94، أو من القضاء كما فعل المدعي العام التمييزي الرئيس القاضي أحمد الحاج، عندما وضع يده مؤخرا على ملف الإثارات الطوائفية والسياسية والإعلامية.

ختاما، تأملات البابا ليون الرابع عشر تتنبأ حول «مواطنة رقمية» عبر الصدق والشفافية في التواصل. وفي لبنان ما نحتاجه حاليا في مواجهة الإنقسام، أن نكون مواطنين في وطن لا مواطنين في طوائف، وهذا يقع في صلب ما يرمي إليه بابا الفاتيكان.


الأكثر قراءة

التصعيد يسبق المُفاوضات... ولبنان يُعوّل على واشنطن الخلافات تحاصر «العفو العام»… وشكوك حسمه في اللجان غداً