اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

 ارتبطت العبقرية والإبداع بفكرة العزلة والبحث عن الهدوء، إذ اعتبر كثير من الفلاسفة والمفكرين أن الصفاء الذهني والابتعاد عن الضوضاء يشكّلان بيئة مثالية للتأمل والإنتاج الفكري. ومع تطور الدراسات العلمية، بدأت الأبحاث الحديثة تدعم هذه الفكرة، مشيرةً إلى أن الهدوء قد يلعب دوراً مهماً في تعزيز التركيز وتحفيز الإبداع.

ويُعد الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور من أبرز من تناولوا هذه العلاقة، رابطاً بشكل مباشر بين القدرات الذهنية العالية وبين الحساسية المفرطة تجاه الأصوات المزعجة.


ما هي رؤية شوبنهاور؟

الضجيج عدو التفكير، ففي مقالته الشهيرة "عن الجلبة والضجيج" (1851)، جادل شوبنهاور بأن الذكاء يتناسب عكسياً مع القدرة على تحمل الضوضاء. 

وبالنسبة له، فإن العبقرية ليست سوى "قدرة العقل على التركيز المكثف على نقطة واحدة"؛ وعندما تتم مقاطعة هذا التركيز بفعل ضجيج خارجي، يصبح العقل العبقري مساوياً للعقل العادي.

وشبّه العقل المركز بالألماسة الكبيرة التي تفقد قيمتها إذا تحطمت، أو بالجيش الذي يفقد قوته إذا تشتتت صفوفه.

كما ذهب شوبنهاور إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الأشخاص الذين لا يتأثرون بالضجيج هم غالباً يفتقرون للحساسية تجاه الفن أو الشعر أو الأفكار العميقة، مرجعاً ذلك إلى "طبيعة أنسجة الدماغ" لديهم.

لم يكن شوبنهاور وحده في هذا الموقف، فقد عُرف عن الفيلسوف إيمانويل كانط حاجته للهدوء المطلق للكتابة، لدرجة أنه قد يغيّر مكان سكنه هرباً من صياح ديك.

أما العلم الحديث، فقد قدم تفسيراً لهذه الظاهرة؛ إذ وجد باحثون في جامعة "نورث وسترن" أن الإبداع مرتبط بضعف القدرة على "تصفية" المعلومات الحسية غير ذات الصلة.

هذا النوع من "البوابات الحسية المثقوبة" يسمح للدماغ بدمج أفكار خارج نطاق التركيز المباشر، مما يعزز التفكير الترابطي والإبداعي، لكنه في الوقت ذاته يجعل الشخص أكثر عرضة للتشتت والتأذّي من الأصوات الخارجية.

كذلك، يؤكد العلم والفلسفة أن العقل المبدع يعمل كمحرك عالي الضغط، يحتاج إلى بيئة نقية ليعمل بكفاءة، بينما يمثل الضجيج "وقوداً رديئاً" يعطل ميكانيكية التفكير العميق ويقتل اللحظات الإبداعية.

الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

التصعيد يسبق المُفاوضات... ولبنان يُعوّل على واشنطن الخلافات تحاصر «العفو العام»… وشكوك حسمه في اللجان غداً